أتابع حتى الصباح على شاشات التلفزيون مشاهد المجزرة الاسرائيلية في غزة، وجثث الأطفال واحشاء الضحايا تتوالى على الشاشة في موكب حزين يجسد بشاعة العدوان، ويجسد أكثر عجز العرب. ولا أعرف لماذا كانت الصورة الأولى التي قفزت الى ذهني بعد صور المجزرة هي صورة وزراء الخارجية العرب وهم يخرجون قبل يومين من لقاء الرئيس الأميركي والسعادة تكاد تقفز من وجوههم ليبشرونا ـ في مؤتمر صحفي تبادلوا فيه الحديث والضحكات ـ بأن كل شئ جميل، ويعددون لنا أسباب تفاؤلهم ومصدر بهجتهم التي جعلتهم يظهرون وكأن كلاً منهم يقول للآخر: اضحك.. علشان الصورة تطلع حلوة! ولم يكن تفاؤل الوزراء العرب مصدره ان الرئيس الأميركي أصدر أوامره لشارون بايقاف العدوان الوحشي على الشعب الفلسطيني الأعزل، ولا لأنه قرر ان العرب قدموا كل ما يمكنهم تقديمه من تنازلات في المبادرة السعودية التي اصبحت عربية وأن الولايات المتحدة قد قررت وضعها موضع التنفيذ باعتبارها أساسا للتسوية السياسية لأزمة الشرق الأوسط. ولم يكن تفاؤل الوزراء العرب مصدره ان الرئيس الأميركي أعلن التزامه بقرارات الشرعية الدولية، أو تفهم ان الأوضاع في المنطقة تسير نحو انفجار لن تكون المصالح الأميركية بمنأى عنه، ولم يكن تفاؤل الوزراء العرب مصدره انهم انتزعوا اعترافا أميركيا بأن تأييد شارون كان خطأ واعتبار الرئيس الأميركي ان السفاح الاسرائيلي رجل سلام كان خطيئة، والدعم اللامتناهي للعدوان الاسرائيلي سياسيا وعسكريا واقتصاديا كان اضرارا بالمصالح الأميركية وانتهاكا لكل القيم التي ادعت أميركا انها تقاتل من أجلها. لم يكن تفاؤل الوزراء العرب مصدره شئ من ذلك، بل كان مصدره الأساسي ان الرئيس الأميركي تجرأ وتحدث أخيرا عن مطالب من الاسرائيليين والفلسطينيين معا حتى يمكن استئناف مسيرة السلام، وهو (تنازل) خطير بلا شك كما أكد لنا الوزراء العرب.. فمن كان يصدق ان أميركا ستقول ان هناك مطالب من الاسرائيليين في ظل الانحياز الأميركي الكامل لسياسة شارون وتحميل الفلسطينيين وحدهم مسئولية تدهور الأوضاع ـ ومطالبتهم بعزل رئيسهم المنتخب واصلاح الأجهزة الأمنية ووضعها تحت اشراف المخابرات الأميركية وتحويلها الى جهاز لضمان أمن اسرائيل وحماية جيوش الاحتلال وقطعان المستوطنين. لم أفهم ساعتها سر البهجة التي بدت على ملامح الوزراء العرب وهم يزفون البشرى بالتطور الخطير في الموقف الأميركي ـ ولكني فهمت ان رؤية بوش التي طرحها في خطابه الشهير والتي قال الاسرائيليون انفسهم ان شارون لو كان كتبها لما جاءت افضل بالنسبة لاسرائيل مماحدث، هذه الرؤية قد تم ابتلاعها، وتنفيذها يجري على قدم وساق، ورغم كل ما قيل من اعتراضات أو تحفظات أو طلبات ايضاح من الدول العربية فقد أصبح المسئولون العرب يتحدثون بلغة بوش في خطابه الشهير، ويعتبرون الحديث ـ مجرد الحديث ـ عن التزامات اسرائيلية نصراً كبيراً، بينما الالتزامات الفلسطينية والاملاءات الأميركية يجري فرضها، وتتحالف الضغوط العربية مع التهديدات الأميركية مع الأمرالواقع الذي تفرضه دبابات شارون ليكون المطلوب في النهاية هو الاستسلام الفلسطيني بلا قيد أو شرط. ووسط الابتهاج الذي عبر عنه الوزراء العرب، كانت الانباء تتوالى عن المشروعات التي يدور حولها التفاوض، والتي تتمحور حول خطة قديمة لشيمون بيريز جرى تحديثها لتصبح ما أطلق عليه (غزة أولاً) والتي تتحدث عن انسحابات من غزة أولا ومن احدى مدن الضفة بعد ذلك وبصورة تدريجية وبشرط ان يسود الهدوء تماما أي منطقة يجري التفاوض حول الانسحاب منها. فاذا تم ذلك وضمنت السلطة الفلسطينية الهدوء في هذه المنطقة فان اسرائيل ستنسحب من مدينة أخرى بعد 15 يوما ويترافق مع ذلك تقديم (تسهيلات) للفلسطينيين ومرور الشاحنات التي تحمل المعونة الطبية والغذائية للمناطق التي يسودها (الهدوء) والافراج عن بعض الأموال الفلسطينية المجمدة لدى السلطات الاسرائيلية. هذه هي (الالتزامات) الاسرائيلية التي يتحدثون عنها، والتي تتعامل برؤية واضحة تستهدف القضاء على المقاومة وفرض الشروط الاسرائيلية من أجل العودة الى التفاوض بعد ذلك حول الحل النهائي. ويفترض هذا المنهج الأميركي ـ الاسرائيلي في التعامل مع الاوضاع التزامات فلسطينية كانت الضغوط العربية قد قطعت شوطا للقبول بها، وتتمثل هذه الالتزامات في: ـ وقف العمليات الفلسطينية خارج الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كشرط لبداية العمل بهذا المخطط. ـ مع بدء عمليات الانسحاب الاسرائيلي التدريجي يتم وقف كل العمليات الفلسطينية بصورة شاملة حتى يتوفر (الهدوء) الذي اشترطته أميركا واسرائيل. ـ في هذه الاثناء يتم اعادة تنظيم اجهزة الأمن بمعونة أميركية وعربية لتتولى مهمتها في ضمان (الهدوء) في المناطق التي يتم الانسحاب منها. وكان الحديث يدور حول مساهمات مصرية وأردنية من هذا القبيل، وأعلنت مصر بالفعل قبولها بشرط ان تكون مهمتها هي التدريب وتقديم الاستشارات، وألا تبدأ الا بعد الانسحاب الاسرائيلي، وطلبت مصر ان يكون هناك مراقبين دوليين كشرط للمساهمة في هذه العملية. وفي هذا الاطار كانت الجهود والضغوط العربية قد نجحت في (انتزاع) موافقة (حماس) و(الشعبية) و(الديمقراطية) على اعطاء هذا المخطط فرصة، وكانت الجهود مازالت تبذل مع (الجهاد) في هذا السبيل. هذه هي ملامح الخطة التي يجري التحرك في اطارها. انسحابات اسرائيلية تدريجية وتسهيلات ترفع بعض العناء الرهيب الذي يعيش في ظله الشعب الفلسطيني مقابل التخلي النهائي عن المقاومة واشراف أميركي اسرائيلي على الأمن والشئون المالية، واصلاحات في السلطة تحددها واشنطن وتشرف عليها لتضمن عزل عرفات وحصاره وان يتولى الحكم الحقيقي من تختاره واشنطن وترضى عنه تل أبيب ليجلس بعد ذلك على مائدة المفاوضات حول حل نهائي يتضمن دولة فلسطينية (مؤقتة) بلا سلطة ولا حدود ولا قدس ومع تنازل كامل ونهائي عن حق العودة لملايين الفلسطينيين. ولاشيء في ذلك يدعو للبهجة العربية، ومع ذلك فربما كان سبب تفاؤل وزراء الخارجية العرب الذين اجتمعوا مع بوش هو النجاح في (انتزاع) موافقة منظمات المقاومة على ايقاف عملياتها خارج اراضي 67 في البداية وفي كل فلسطين بعد ذلك، وهو ما أكدته (حماس) في اليوم التالي وان وضعت له شروطاً تبرر القبول به بعد الضغوط الهائلة التي مورست عليها. ومع ذلك فلم تكد تمضي ساعات حتى كانت طائرات الفانتوم الأميركية الصنع تطلق قنبلة يزيد وزنها على ألف كيلوغرام على (حي الدرج) في غزة لتكون هذه المذبحة البشعة هي الرد الاسرائيلي على التنازلات العربية والفلسطينية الجديدة. وليكون ذبح الأطفال هو الرد على اعلان المقاومة استعدادها لايقاف عملياتها اذا أوقفت اسرائيل عدوانها.. تماما مثلما كان الرد على مبادرة القمة العربية في بيروت التي عرضت التطبيع العربي الكامل مقابل الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة عام 67 هو اجتياح اراضي السلطة الفلسطينية في ابشع عدوان نازي تمتع بالدعم الكامل والحماية الشاملة من الادارة الأميركية التي اعتبرته دفاعا عن النفس تقوم به اسرائيل المحتلة ضد (ارهاب) الشعب الفلسطيني الذي يرفض نغمة الاحتلال الاسرائيلي ولا يقدم آيات الشكر والعرفان للنازيين الجدد الذين اغتصبوا الارض وشردوا الشعب وقاموا ـ ومازالوا ـ بأبشع جرائم العصر الحديث! وبينما كانت جثث الأطفال تستخرج من بين الانقاض، كان شارون يحتفل بالمجزرة ويعلن انها واحدة من أنجح عمليات الجيش الاسرائيلي. وبينما كانت الحكومات العربية تردد كلمات استنكار لم يعد لها معنى، كان البيت الأبيض الأميركي يكتفي بوصف المجزرة بأنها (تصرف عنيف) أكثر من اللازم! وبينما كانت الدول العربية تلجأ الى مجلس الأمن شاكية عجزها وقلة حيلتها وبطش العدو بها، كانت واشنطن ـ كالعادة ـ تمنع ادانة اسرائيل أو احالتها لمحكمة مجرمي الحرب! وبينما كان الرأى العام العالمي يعلن غضبه كانت الادارة الأميركية ترفض الاعتراف بمسئوليتها عما حدث حين تغاضت عن العدوان الاسرائيلي ومنحت شارون كل دعمها وسمحت له باستخدام السلاح الأميركي في ضرب الاطفال الفلسطينيين باعتبار ذلك (دفاعا عن النفس)! وبينما كان مجلس الأمن يترجم العجز العربي والسطوة الأميركية ويستمر في التهرب من مسئولياته في توفير الحماية لشعب يتعرض للابادة كان الكونغرس الأميركي يقرر منح اسرائيل 200 مليون دولار مساعدة اضافية لدعمها في حربها ضد (الارهاب) الفلسطيني!! ماذا ستفعل الأنظمة العربية بعد كل هذا؟! لا شئ الا اللجوء لأميركا التي لا تخفي انحيازها الكامل والشامل لاسرائيل، والتي لا نجد عندها عندما يضبط العالم شارون متلبسا بارتكاب مذبحة مثل مذبحة غزة الا بعض (العتاب) الذي يتبادله الأحباب.. لا لأنه أجرم بل لأنه لم يحسن تغطية الجريمة!! ولن تفعل أميركا بعد ذلك الا المضي في مخططاتها، ولن تجد الانظمة العربية أمامها الا الرضوخ للاملاءات الأميركية، والمشاركة في ضرب المقاومة و(التوسل) لأميركا لكي تجعل اسرائيل توافق على مجرد (التفاوض) مع من تختاره هي ممثلا للشعب الفلسطيني، فاذا حدث ذلك فهو انتصار للحكمة مقابل التهور، وتأكيد على الحقوق العربية المشروعة في التفاوض والتنازل واهدار الحقوق! واذا حدث ذلك فسنقيم الاحتفال باعتباره انجازا لسياسة (التوسل) أو (التسول) العربية يستحق من النظم العربية ان تغض الطرف حين تضرب العراق، وأن تدعي العمى والصمم اذا جاء الدور بعد ذلك على سوريا والمقاومة اللبنانية! في الصباح كنت في طريقي للمشاركة في ندوة مقررة عن ثورة يوليو 52. وكنت أفكر هل كانت مجزرة غزة هي الرسالة الاسرائيلية للأمة العربية في يوم احتفالها بالعيد الخمسيني للثورة العربية الكبرى؟! وكانت الصور تتلاحق امام عيني.. صور المجزرة التي لاحقتني طوال الليل تذكر ببؤس الواقع، وصور وزراء الخارجية العرب المبتهجين بعد مقابلتهم بوش تعيد لي صورة الهنود الحمر في الأفلام الأميركية وهم فرحون بعقود الخرز يقدمها للسيد الأبيض ثمنا للأرض المتغصبة والشعب الذي يتعرض للابادة والمستقبل الذي ضاع. في الندوة كان الحديث عن زمن آخر.. وجدت فيه الأمة الهدف والطريق والقائد فحققت المعجزات. كانت الأرض العربية كلها ـ الا قليلا ـ تحت هيمنة الاستعمار فارتفعت رايات التحرر والاستقلال من المحيط الى الخليج. كانت الغالبية العظمى تعيش في ظل أقسى درجات الفقر والجهل والمرض فتغير ذلك كله. كانت الثروات العربية منهوبة فاستعدناها بتأميم القناة والسيطرة على البترول. كانت الأمة العربية خارج التاريخ فأصبحت تقود حركة التحرر في العالم الثالث. كنا نخوض ببسالة معارك التحرير ومعارك البناء ونحقق أحلام الأجيال في الوحدة. كنا نقاتل.. ننتصر فنؤكد لأنفسنا ـ قبل الآخرين ـ ان الطريق مازال طويلا، وننهزم فلا تسقط الراية من أيدينا.. ولا يهتز الايمان في قلوبنا ونعرف ان الثأر لهزيمتنا هو الممكن الوحيد. في ذلك الصباح كان النقاش طويلا وعميقا عن ثورة يوليو.. الانجازات والنكسات، الاحلام التي تحققت والآمال التي خابت، الضحايا الذين سقطوا والملايين التي عاشت بعد موت طويل، المعارك التي خاضتها ببسالة والثمن الذي دفعته في الطريق، الأهداف التي تحققت والتي لم تتحقق، سنوات الانجاز وتحقيق الاحلام ثم زمن الردة على كل ما تحقق. وطوال المناقشات كانت صورة عبدالناصر تملأ المكان، وكنت استعيد ذكريات زمن صعب ولكنه عزيز على القلب والعقل، وكان المقابل يبدو واضحا.. أطفالنا يتحولون الى شهداء، وشهداؤنا يتحولون الى (ارهابيين) لأن أميركا تريد ذلك، ووزراء الخارجية العرب في واشنطن مبتهجين بما أتاهم بوش أو شارون، وكلمة السر في عصر المهانة هي (التوسل) لأميركا لكي ترضى وتعفو وترحم، والكلمة الغائبة هي الارادة الحرة التي فقدناها، والكرامة العربية التي داسها (الآخر) بالأقدام. عند الظهيرة كنا في ضريح عبدالناصر.. نقرأ الفاتحة ونقيم صلاة الغائب على شهداء الأمة. وكان الناس الذين تجمعوا من كل انحاء الأمة العربية يذكرون ويتذكرون.. وقفة العز في 56 امام العدوان الثلاثي. صوته وهو يؤذن للوحدة من دمشق. سنوات النضال المرير من أجل تحرير الأرض من الجزائر الى اليمن الى الخليج. بناء السد العالي وتأميم القناة ومعانقة العصر. هزيمة 67 وقرار الأمة بمواصلة النضال تحت قيادته مؤمنة بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة. الرحيل وسنوات الردة ووسط هذا الطوفان من الذكريات كنت أتوقف امام مشهد يلح على خاطري دائما. كان عبدالناصر قد ألقى خطابا مهماً في الأمم المتحدة ألقاه باللغة العربية فتقرر بعدها ان تكون احدى اللغات الرسمية للمنظمة الدولية. وفي اليوم التالي جاءني زميل عزيز راحل عن عالمنا منذ سنوات قليلة. كان حسن دوح أحد قيادات الاخوان المسلمين الواعدين في الخمسينيات، ثم دفع من عمره سنوات في السجن نتيجة الصدام بين الثورة والاخوان، وخرج بعد ذلك ليلتحق بالعمل الصحفي. جاء في ذلك الصباح ليفاجئني: هل تعرف ماذا فعلت في الليلة الماضية؟ لقد استمعت لخطاب عبدالناصر ثم أرسلت له برقية تحية وتأييد وهو في أميركا. ويلمح الدهشة على وجهي فيقول: لا تندهش.. لقد قارنت بينه وهو يتحدث من على منصة المنظمة الدولية بكبرياء أمة تحررت وعرفت معنى الكرامة الوطنية والارادة الحرة، وبين رئيس وزراء مصر قبل الثورة حين ذهب ليتحدث من على نفس المنصة (يتسول) استقلال بلاده.. فلم يسمعه أو يهتم به أحد. قارنت وقررت ان أدوس على جراحي وأرسلت برقيتي وأنا واثق انه سيفهم رسالتي اليه. ياه.. الكرامة الوطنية، والارادة الحرة، وكبرياء الأمة.. هل مازلتم تذكرونها أيها السادة؟! ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية