سؤال يدوي في الآذان، ويخترق القلوب التي كساها الران، وعلاها صدأ الحياة المترفة: من الذي يستحق العزاء، ومن هو الاجدر بالرثاء ومن هو الضعيف المستخذي، ومن هو القوي العملاق الذي لا تكسره الضربات ولا تحني رأسه الشدائد؟ هل هو الذي دفن رأسه في التراب، وصم اذنيه عن سماع الفجائع والنكبات التي تنزل كالصواعق على رؤوس اهلنا في فلسطين؟ ام هم اولئك الذين ماتوا واقفين، وحلقوا في سماء العز يغسلون جراحهم في عالم النور الذي آثروا ان يطيروا اليه بعد ان خذلتهم تلك العيون التي اكتفت بالتحديق والنظر ثم ضرب اصحابها اكفهم على ضياع فرصة السلام التي لم يعد يرون في سجل الكفاح غيرها نصيراً ومعيناً؟! اين ذلك السلام الذي اجتهد لأجله العرب واليد الصهيونية تقطع الاكف الممدودة، والانامل التي توقع على الحبر الذي قبل ان يجف يسقط ضحايا جدد، وتسيل دماء هي أرخص لدى المجرمين من تلك المياه التي يسكبونها تحت اقدامهم؟! وهذا هو التاريخ الحي يخبرنا عن اسطورة الكفاح الخالد الذي يجل عن الوصف، ويفوق التصورات، ويحير جمهور الفرجة الذي بدايته من شرق الكرة الارضية، ونهايته في تلك البقعة الغاضبة على معسكرنا النائم، والتي تقذف بالحمم من هناك فيستقبلها الزبانية المدججون بسلاحها المتطور الذي استقر بين ظهرانينا ليعملوا في اهلنا قتلا وتشريدا وإبادة!! ويستلذوا بمرأى طفلة مشوهة الوجه بعد ان تفحم اغلب جسدها تحت انقاض بيتها المهدوم في غزة، وشاركها في شرب الكأس المرة اقاربها وذووها، وقد طابت للسفاح فعلته الشنيعة، ورأى منتشيا ضاحكاً ان القذيفة التي رميت على الابرياء كانت ضربة موفقة وأدت اهدافها بنجاح!! ورغم مرارة المأساة فان وجوه من بقي حياً من الاهل والاقرباء لا توحي بالهزيمة، ولا تحمل الا معنى واحداً هو الاصرار على الصمود حتى يتحقق النصر ويعود الحق الى اهله وذويه!! ان تجرع صنوف الالم على مدى تلك السنوات الطويلة اكسب ذلك الشعب مناعة ضد الشعور بقرب النهاية، بل جعله يزداد قوة وارادة على مواصلة النضال، في تحد حقيقي لكل قنابل شارون، وطائراته الحربية. والغريب حقا ان اهل فلسطين فهموا لغة العدو سريعاً، ويشهد تاريخهم الطويل انهم كانوا اذكياء فوق العادة، ولديهم من القدرة على الموازنة بين الخيارات والبدائل الممكنة والتي تبدو مستحيلة الشيء الكثير، بحيث انهم لم يرضوا بحياة الذل والركوع وواصلوا ـ رغم المنعطفات والشدائد ـ دربهم يضعفون تارة، ويشتد ساعدهم في اغلب الفترات، لكنهم في هذه اللحظة من التاريخ اثبتوا ان سيرهم كان في الاتجاه الصحيح وان دماء أبنائهم واخوانهم حررتهم من الخوف او التردد، وأقصت كافة الخيارات الا خيار الصمود والمقاومة والتحدي.. وبينما كان المنطق يتجه الى ان تنضج الشعوب التي لها عهد وتاريخ وهوية وانتماء يرتبط بفلسطين اذا بالصورة تنعكس، ونرى أن ذلك النضج للشعب المقاوم، ليس له مثيل في خارج الحدود، حيث ان البون بعيد وسنوات الانتظار والتفرج عادت بخفي حنين بالنسبة لواقع القضية، ولملفها المثقوب الذي ازدحم بالتنازلات التي آل امرها الى الفشل الذريع الواحدة تلو الاخرى!! وحيث اصبحت المراوحة عملا بطوليا للجمهور الذي يتلقى الاخبار من الشاشات المرئية، فان كلمة «الخذلان» تغدو معبرة تماماً عن حجم الدعم اللامحدود الذي قدمه العرب الميامين لقضيتهم الكبرى! وحيث انه لدى فريق التضامن بالكلمات والشعارات يقين مطلق بانه ليس بالامكان ابدع مما كان، وانهم معذورون في مواقفهم المعلنة، فان من الطبيعي ان يستحوذ على المشهد العالمي تلك البطولات الفريدة التي صنعها عباقرة الاستشهاد، واهدوها مصبحين او ممسين الى فريق شارون ليتلظى اشياعه بنيران الانتقام، وليشرب في اي وقت وحين من ذات الكأس التي سقاها للابرياء المسالمين.