معظمنا يحزم حقائبه أوان الصيف للسفر تحت شعار الراحة والتغيير والترويح عن النفس، غير أن معظمنا يأوب من تسفاره تعباً مرهقاً يُمني نفسه باجتزاء أيام عدة للاستجمام قبيل استئناف الركض اليومي. هذا الرهق الذي يسكننا إبان الإجازات ليس مردّه الجهد المبذول في التغيير ولا هو ناجم عن طاقة مُهدرة في الترويح عن النفس. هو في مجمله إفراز إحساس عارم لأشكال متباينة من الضجر ليس غير. جذر الأزمة يتمثل في سلوكنا إزاء الإجازة. فمنا من دأب على العودة فيها إلى وطنه لينعم بالدفء في حضن العشيرة. مثل هذا يُكرّس جانباً من وقته قبيل بدء الإجازة في التسوّق فيذهب مُحمّلاً بالهدايا للأصول والفروع التي تستنزف جلّ إجازته إما ضيفاً أو مضيفاً فيرجع منهكاً بأثقال. في مثل هذه الإجازة يغيب التخطيط ويسلم المرء نفسه لتصاريف القدر وتدخلات الآخرين بحجة إرضائهم وهي غاية مستحيلة فيفقد كثير منهم ونفسه كذلك. حتى الذين يقصدون مدارات خارج الوطن بغية الترويح، يشكّل التسوّق البند الأساسي في موازنة الإجازة سواء للإعداد لها أو الاستمتاع إبانها، كأنما الإجازة في رؤانا قاصرة على التباري في الشراء والاقتناء. وكلٌ يشتري أكثر من طاقته وأكثر من حاجته. تلك هي أحد أسوأ جوانب الثقافة الاستهلاكية التي تتخمنا حدّ البلاهة. لم تعد حكمة الشافعي تُلهمنا ولم تعد خماسيتها تحكمنا وقليل جداً منّا من يحاول الاجتهاد لتحقيق إحدى حلقاتها. الإمام قصر فوائد السفر في خمس، حددها بـ «تفرّج همّ، اكتساب معيشة، وعلم وآداب وصحبة ماجد». فرغم كثرة الأماكن التي يمكن قصدها للاستزادة من العلم والآداب، إلا أن هذه لا ترد في حسابات أصحاب الإجازات إلا من رحم ربي وهؤلاء نفرٌ قليلٌ عددهم حدّ الندرة. ولا يرد بالطبع في هموم الإجازات غاية اكتساب المعيشة. ولم يعد هناك من يضع في أولوياته مصاحبة الأماجد في الأسفار مع أن الحكمة العربية المتداولة تستوجب «الرفيق قبل الطريق». ربما في المساحة الشاسعة لتفسير مصطلح «الصاحب الماجد» مكانة للاتفاق على أننا سافرنا أو التقينا أو كنّا في صحبة ماجد ما دامت الإجازة لا تستهدف بالضرورة المجد في مضمونه الكلاسيكي. مع أننا ننفر من التمسّح بمثل هذه الرؤى الكلاسيكية في التعامل مع مسألة مثل الإجازة بزعم التجدد والتجديد إلا أننا نرسف في تقليدية بالية في ممارستنا إبان الإجازات. فمعظمنا يفضّل أماكن معينة تحت شعار الألفة يرتادها في إجازاته دون سأم، لأسباب ليس بينها قطعاً التجدد أو التجديد أو الترويح. فنحن نتهيّب استكشاف الأماكن الجديدة ذلك أن المغامرة ليست أصلاً في طبعنا، وحتى عندما نستبدل مكاناً أليفاً بآخر، فإنما يكون ذلك بناءً على نصائح ـ ليست نصيحة واحدة ـ من صديق مجرب يقدم لنا مرافعة مطوّلة معززة بالتوصيف والأدلة والصور وربما الخرائط فنهبط وفي مخيلتنا صورة مسبقة للمكان. فكأنما نحمّل الطرف المحرض مسئولية ضمان سلامتنا عند التغيير من كل مكروه. البعض يجد في اصطحاب الأسرة مبرراً لفقدان أسباب المغامرة وروحها باعتبارها تورث المرء كافة أشكال الجُبن الذي يفقده أسباب المغامرة غير أن ثقل الأسرة في الواقع ليس مرتبطاً بالجُبن وإنما هو عنصر أساسي في ممارسة التسوّق المتمكنة منّا. أذكر أن وزير السياحة في المالديف سألني ذات صيف عن أسباب فشل تسويق الجُزر في العالم العربي فأبنت له غياب عناصر الجذب الكلاسيكية لدى العرب وفي مقدمتها التسوّق وما يغري الأطفال. في المالديف يركب الناس أمواج البحر ويمارسون الغوص والاسترخاء الطويل تحت أشعة الشمس أو تحت ظلال الشجيرات يفرغون شحنات التوتر ويلتهمون كتيبات بلا ملل. قليلٌ منّا يقصد الشواطئ الرملية على البحار للاصطياف. ولكن هؤلاء أكثر عدداً من الذين يحرصون على معرفة جديد المكتبات أو تأمل مقتنيات المتاحف. حين ترتاد شاطئاً عربياً ستجد أنه يعجّ بالطناجر. فالبحر يفتح شهيتنا للأكل ولا يلهمنا لحظات التأمل أو يحرضنا على المطالعة فنعود متخمين وقد نرغب في معاودة الطبيب قبل استئناف ركضنا الحياتي اليومي. كما ذهبنا مثقلين بالحقائب التي يكتنز بعضها بمؤن الغذاء، نرجع مثقلين بحقائب فيها الأصيل وفيها التقليد للمباهاة وليس للحاجة بالضرورة. فنشعر ونحن في المطارات أننا في رحلة قاسية جيئة وذهاباً وليس فيها من الترويح شيء قليل. معظمنا ينقل ممارساته البابوية داخل المنزل إلى حيث يصطاف فيجد نفسه موتوراً متوتراً موتراً في إجازته، إذ يرفض خروج الأبناء عن إطار الإجازة المرسومة مسبقاً من قبل العرّاب، وليس فيها احتمال لمزاج خاص.