حكي أن الحجاج سأل يوماً الغضبان بن القبعثري عن مسائل يمتحنه فيها، من جملتها ان قال له: من أكرم الناس، قال: أفقههم في الدين، وأصدقهم لليمين، وأبذلهم للمسلمين، وأكرمهم للمهانين، وأطعمهم للمساكين، قال: فمن ألألم الناس؟، قال: المعطي على الهوان، المقتر على الاخوان، الكثير الألوان: قال: فمن شر الناس؟ قال: أطولهم جفوة، وأدومهم صبوة، وأكثرهم خلوة، واشدهم قسوة. قال: فمن أشجع الناس؟، قال: أضربهم بالسيف، وأقراهم للضيف، وأتركهم للحيف. قال: فمن أجبن الناس؟ قال: المتأخر عن الصفوف، المنقبض عن الزحوف، المرتعش عند الوقوف، المحب ظلال السقوف، الكاره لضرب السيوف. قال: فمن أثقل الناس؟ قال: المتفنن في الملام، الضنين بالسلام، المهذار في الكلام، المقبقب على الطعام، قال: فمن خير الناس؟ قال: اكثرهم إحساناً، واقومهم ميزاناً وأدومهم غفراناً، وأوسعهم ميداناً قال: لله أبوك، فكيف يعرف الرجل الغريب، أحسيب هو، أم غير حسيب؟ قال: أصلح الله الأمير، إن الرجل الحسيب يدلك أدبه، وعقله، وشمائله، وعزة نفسه، وكثرة احتماله، وبشاشته، وحسن مداراته على أصله، فالعاقل البصير بالاحساب يعرف شمائله والنذل الجاهل يجهله، فمثله كمثل الدرة، إذا وقعت عند من لا يعرفها، ازدراها، واذا نظر اليها العقلاء عرفوها وأكرموها، فهي عندهم لمعرفتهم بها حسنة نفيسة. فقال الحجاج: لله أبوك فما العاقل والجاهل؟ قال: العاقل الذي لا يتكلم هذراً، ولا ينظر شزراً، ولا يضمر غدراً، ولا يطلب عذراً، والجاهل هو المهذار في كلامه، المنان بطعامه، الضنين بسلامه، المتطاول على إمامه، الفاحش على غلامه، قال: لله أبوك فما الحازم الكيّس؟، قال: المقبل على شأنه التارك لما لا يعنيه، قال: فما العاجز؟ قال: المعجب بآرائه، الملتفت إلى ورائه.