قبل ثمانية وثلاثين عاما أنشئتت منظمة قارية عرفت بمنظمة الوحدة الأفريقية وخرجت إلى النور في ظل مناخ شكلته موجة الاستقلال التي اجتاحت القارة منذ الخمسينيات من القرن الماضي، بعد أن تراجع المد الاستعماري الذي أنهك القاره السمراء لقرون عديدة. ومنذ عام 1963 عندما أسس جمال عبد الناصر ونكروما وسيكوتوري وكاوندا المنظمة، واجهت العديد من المشكلات تتصدرها قضية المديونية والحروب الأهلية والمنازعات الإقليمية، إلى أن قررت الدول الأفريقية إستبدال منظمة الوحدة «بإتحاد» من حيث الشكل السياسي هو منظمة أيضا وان كان قد انطلق في ظل متغيرات دولية جديدة تختلف عن الظروف التي عاصرتها منظمة الوحدة الأفريقية. وتعود فكرة الإتحاد الأفريقي إلى الزعيم الليبي معمر القذافي الذي استبدل فكرة القومية العربية بفكرة التوحد الافريقي على النحو الذي تم في مدينة ديربان بجنوب افريقيا مؤخرا، رغم ان الإلتزام القومي العربي لايمكن محوه بجرة قلم نتيجة عوامل الإحباط والتخاذل التي دفعت القذافي إلى التراجع عن فكره القومي. فلاشك ان المد العروبي لا ينفصل عن المد الأفريقي لأنهما في النهاية رافدان لنهر مياهه واحده إرتبط إندفاعها بتراث عربي افريقي مشترك ومن هنا تبقى المحددات الجغرافية والتاريخية العنصر الفصل في تحديد مدى الإرتباط بين الفضائين العربي والأفريقي على حد قول العقيد معمر القذافي نفسه. وعليه لايمكن القول إن الإتحاد الأفريقي بديل عن الوحده العربية مهما كانت الظروف المأساوية التي تعيشها الأمة من المحيط إلى الخليج نتيجة حالة من الضعف هي بلاشك مؤقتة، بشرط ان تدرك الحكومات والشعوب العربية هذه الحقيقة وتبحث عن مخرج من هذه الحالة. ورغم كل ما تقدم يعتبر الإتحاد الأفريقي الوليد خطوة إيجابية تدعم إتجاه التكامل السياسي والاقتصادي الأفريقي الذي عجزت منظمة الوحدة الأفريقية عن القيام به لنحو اربعة عقود متتالية. ويعتقد بعض المتفائلين ان هذا الإتحاد ثورة بمعنى الكلمة لأنه ظهر إلى الواقع على غرار الإتحاد الأوروبي ومؤسساته. وفي اعتقادي ان هذا تفاؤل مبالغ فيه لأن الاعداد للإتحاد الأوروبي بدأ عام 1958 قبل إنشاء منظمة الوحدة الأفريقية، وإذا كان الإتحاد الأفريقي قد جاء لتجنب سلبيات هذه المنظمة فإنه لم يبن على اي إنجازات قد حققتها من قبل، إنما هو شكل جديد تم التفكير فيه منذ نحو عام او اكثر قليلا. إن ثلاثا وخمسين دولة افريقية هي الأعضاء في الاتحاد الجديد ستواجه خلال الفترة المقبلة تحديا ذاتيا مبعثه المواءمة بين الطموحات العريضة التي اوجدها هذا الإتحاد والواقع الصعب في القارة الأفريقية، فمازال الفقر والجهل والمرض الثالوث المخيف الذي يحيق بالعديد من دول القارة خاصة تلك الواقعة جنوب الصحراء الكبرى فمعدل النمو الاقتصادي في كثير من هذه الدول لم يتعد (الصفر)، بإستثناء بعض النماذج مثل كينيا وجنوب افريقيا وربما نيجيريا لأسباب ذاتيه تتعلق بها. وكانت إحصائية صادرة عن الأمم المتحدة قد اشارت مؤخرا إلى ان متوسط دخل المواطن الأفريقي لا يتعدى اربعة وخمسين دولاراً امريكيا شهريا، ويعتقد بعض الخبراء انه حتى هذا الرقم مبالغ فيه لأن هناك مناطق عديدة في افريقيا متوسط دخل الفرد فيها اقل من اربعين دولار شهريا. ان ولادة إتحاد افريقي من رحم واقع متخلف امر في غاية الصعوبة خاصة إذا وضعنا في الاعتبار ان دولا افريقية اعضاء في هذا الاتحاد تعيش تحت خط الفقر بمراحل مثل رواندا وبورندي والصومال وليبيريا. وقد ساعد على زيادة الأوضاع سوءا في القارة التصحر الناجم عن سوء إدارة الموارد الطبيعية والتغيرات المتعلقة بتلوث البيئة، فضلا عن التأثيرات المناخية السلبية في العالم. والسؤال المطروح الآن: كيف يمكن للإتحاد الأفريقي ان يخرج القارة السمراء من عنق الزجاجة ويصل بها إلى «الحد الأدنى» من طموحات التقدم والرفاهية التي إزدانت بها كلمات الزعماء الأفارقة في إفتتاح اول مؤتمر قمة للإتحاد الجديد في ديربان؟ نعتقد ان المرحلة المقبلة سوف تشهد إما إنطلاقه جديدة لأفريقيا إذا تم تفعيل دور هذا الإتحاد، او يتحول مع الأيام إلى منظمة شبيهة بمنظمة الوحدة الأفريقية مثقلة بالمشكلات والقضايا المستعصية وهذا مالا نرجوه، لأننا نعيش اليوم في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والكيانات الكبرى. وخلاصة القول ان نجاح الإتحاد الأفريقي الجديد سيظل دافعه الأساسي الإستغلال الأمثل لموارد القارة والتحرر من وصاية القوى الكبرى وإعمال الديمقراطية في مجتمعات إنهكتها الحروب الأهلية والنزاعات الإقليمية. ـ كاتب مصري