مما لا شك فيه أن الكثير من الأوساط السياسية والدبلوماسية العربية والدولية، رأت في خطاب الرئيس بوش، بصرف النظر عن قبوله أو عدمه، فلسطينياً وعربياً والتفسيرات، والتأويلات لهذا الطرف أو ذاك، انطلاقة جديدة جادة نحو إنجاز حل وسط تاريخي، كما يقول البعض، وقد زاد من هذا التفاؤل ما تلا ذلك الخطاب من لقاءات واجتماعات ومداولات واتصالات من خلف ستارة الدبلوماسية - الأمنية، والتي كان آخرها اجتماع اللجنة الرباعية في واشنطن، المؤلفة من الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة ووزراء ثلاثة دول عربية معها ومع صانع السياسة الأمريكية، باعتبارها قد فتحت الطريق أمام تقدم عملية التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية من جهة والعربية - الإسرائيلية من جهة أخرى. بل أكثر من ذلك بدأت الساحة الحزبية والسلطوية الفلسطينية، بوجه خاص، تشهد حالة من الحراك السياسي المتفاعل مع الأجواء السياسية الجديدة، انطلاقاً من مفهوم عدم إضاعة الفرص المتاحة، بحيث دخلت الكثير من الفصائل الوطنية والإسلامية في الداخل والخارج حالة من الحوار الجاد، تناول كل النقاط الإجرائية والسياسية المختلف والمتوافق عليها، بداية من وقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر، والانتخابات وقضايا الإصلاح المطروحة والشراكة الفلسطينية ـ الفلسطينية القادمة. أكثر من ذلك، رغم نفي بعض القوى، توصلت هذه القوى وبمساعدة عربية إلى إبرام تفاهمات حول خفض حالة المقاومة ما أمكن ذلك كبادرة حسن نية، واقتصارها على المناطق المحتلة في عام 1967، إيذانا بوقفها بعد ثلاث شهور ليصار بعد ذلك إلى إطلاق قطار التسوية المشرف عليه دولياً بمشاركة عربية فاعلة. ولعل مبادرة الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة المقاومة الإسلامية حماس، الأخيرة كانت تعبيراً حياً على هذه الحركة السياسية - الحوارية الدؤوبة فلسطينياً وعربياً، والتي جاءت متطابقة بعض الشيء مع الموقف الثلاثي العربي من مصر والأردن والسعودية، في ضرورة الانسحاب من الأراضي الفلسطينية (الضفة وغزة) واطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، ووقف ترحيل عائلات الاستشهاديين من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، ليكون ذلك الأمر بمثابة هدنة أو استراحة محارب أو إذا شئت مجس اختبار للنوايا الإسرائيلية على مدار ثلاثة شهور باعتبارها مرحلة انتقالية، من شأن الفلسطينيين التأسيس عليها سياسياً وإجرائياً للمرحلة التي تليها.حتى أن بعض الفلسطينيين الرافضين للتسوية، أعني حركة حماس، لم تعلق على الترتيبات والخطط الأمنية بالشراكة العربية الأمريكية مع السلطة الفلسطينية، بالقفز عن التعليق عليها في وسائل الإعلام، وبقيت المواقف الرافضة لهذه الترتيبات في الاجتماعات السياسية والحوارات الفلسطينية الداخلية، سعياً لانجاح الرؤى المطروحة، باعتبارها تؤسس لإعلان الدولة الفلسطينية بعد ثلاثة سنوات، ونزولاً عند الرغبات الفلسطينية، سلطويا، والعربية بشكل عام، انطلاقاً من فهم طبيعة الواقع والصعوبات التي تواجهها المنطقة، بسبب الاتاوات الأمريكية المفروضة بحجة مواجهة الإرهاب، والتي بدأت تقض مضجع صانع السياسة العربي. وليس سراً، ومن خلال بعض الأوساط السياسية والقيادية الفلسطينية، أنها بدأت بطرح عناوين عريضة للبرنامج السياسي الفلسطيني، من خلال جولات الحوار الحثيثة، بهدف الخروج ببرنامج سياسي متفق عليه كحل وسط بين كافة القوى الوطنية والإسلامية.دون أن تسقط من أجندتها ضرورة الاتفاق على صيغة تنظيمية للشعب الفلسطيني، تأخذ على عاتقها تحقيق البرنامج السياسي بصيغته النهائية المفترضة، بصرف النظر عن التصريحات النارية التي تصدر بين الفينة والأخرى عن هذا الفصيل أو ذاك.أي أن حركة سياسية نشطة قد شقت طريقها، من أجل التهيئة لانتخابات عامة داخل فلسطين، تشترك بها كل القوى الفلسطينية الفاعلة، حتى وإن كان هذا الاشتراك من خلال شخصيات مستقلة، أو أطر جماهيرية لهذه الحركة أو تلك، وبدا النقاش في مرجعية الانتخابات يأخذ حيزاً في الحركة السياسية الفلسطينية، بحيث لم تشهد الساحة مثل هذه النقاشات والسجالات من قبل، أي منذ عقد اتفاقات أوسلو، بصرف النظر عن نقاش الحصص أو عدمها، بمعنى أن موضوع الانتخابات بات أحد المواضيع المحورية الهامة المطروحة على جدول أعمال الحوار المتعلق بالبرنامج السياسي الفلسطيني للمرحلة المقبلة. وليس مدعاة للاستغراب، إذا ما قلنا أنه رغم الانتقادات التي أطلقت من هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، بخصوص اللجنة الرباعية، إلا أن هذه القوى كانت تعي حقيقة النتائج التي ستصدر عنها، وأنها بقيت على متابعة خطواتها الحوارية الداخلية، بل أعطت هذه القوى دفعاً جديداً في اتجاه استكمال الخطوات الحوارية والإجرائية، وأن الانتقادات لنتائج اجتماع هذه اللجنة، هي محاولة تكتيكية لرفع سوية سقف المطالب الفلسطينية إذا ما أمكن ذلك من جهة، ومخرجاً سياسياً لهذه القوى الفلسطينية، إذا ما تعذرت الحلول للعودة إلى سابق عهدها من جهة أخرى. لكن الأماني الفلسطينية والعربية، الطيبة، كانت في واد، والنوايا الإسرائيلية ـ الأمريكية في واد آخر، فبنفس اللحظة التي بدأت تعلو فيها صيحات التفاؤل أثر نتائج اجتماع اللجنة الرباعية واللقاء الثلاثي العربي ـ الأمريكي، جاءت عملية غزة الإجرامية ضد المدنيين التي أودت بحياة سبعة عشر فلسطينياً من بينهم قائد كتائب عز الدين القسام صلاح شحادة، لتؤكد من جديد أن كل ما قد يؤسس له العالم مرفوض إسرائيلياً وأمريكياً، وأن أي حل، حتى بمجرد الشراكة مع إسرائيل والولايات المتحدة مرفوضة، اللهم إلا ما يتطابق مع هذه الرؤية، ودون ذلك سيكون الدم بالدم هو المعادل الأساسي في عملية الصراع من وجهة النظر الإسرائيلية. وليس من الغرابة، بأن هذه العملية جاءت بمعرفة الولايات المتحدة بهدف وأد كل ما توصلت له الدبلوماسية الدولية بما في ذلك العربية، والأسباب معروفة أمريكياً، وهي تتلخص بالتالي: أولاً: الولايات المتحدة لا ترى بأن حل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي تتصدر أولوياتها السياسية، بل أن قضية أفغانستان والعراق لاحقاً بالنسبة للمنطقة هي الأهم، انطلاقاً من قناعة راسخة عند صانع السياسة في الولايات المتحدة، أن إسرائيل ما تزال قادرة على امتلاك زمام المبادرة في التعاطي مع هذه الأزمات.هذه القناعة تشكلت لدى صانع السياسة الأمريكي من خلال اكتشافه أو تطويعه، والأمر سيان، للمواقف العربية الرسمية التي فقدت كل الخيارات سوى إدارة بعض الأزمات بعجز مزمن لا يرقى إلى مستوى الدم الفلسطيني المسفوح، والذي وصل بجد إلى حالة من الاستجداء، بمعنى انتفاء أو غياب الخيارات العربية، سوى البحث عن مخارج سياسية في أروقة البيت الأبيض ليس إلا. ثانياً: تنطلق حكومة الجمهوريين من قناعة راسخة بأن طرح مشروع تسوية فلسطينية ـ إسرائيلية قد يزيد من تأزم وضعها الداخلي المتداعي، وأنها بحاجة إلى الصقور واللوبي اليهودي في انتخابات الكونغرس في نوفمبر المقبل، باعتبار أن هذه الانتخابات هي وحدها، التي ستحدد إمكانية أو عدم إمكانية نجاح بوش لولاية ثانية.خاصة وأننا ندرك أن نجاح الجمهوريين بالانتخابات الرئاسية جاء بقرار المحكمة الدستورية الأمريكية، وهذه القضية ما تزال تؤرق هذا الحزب وأعوانه في الولايات المتحدة. ثالثاً: ما تعيشه الولايات المتحدة من أزمات اقتصادية حادة، ومن حالات الإفلاس لكبرى الشركات والاختلاسات التي لم تستثن حتى نائب الرئيس ديك تشيني بحاجة إلى تصديرها من خلال نصر على هذا الشعب المسكين أو ذاك، وليس بتقديم تسوية مرضية للعرب والفلسطينيين. أما ما يخص شارون وحكومته، فلم تشهد حكومة منذ نشأة إسرائيل حتى هذه اللحظة إجماعاً على ذبح الفلسطينيين، والعودة إلى الشعارات العنصرية بداية من الترانسفير وانتهاء بالوطن البديل أكثر من هذه اللحظة التاريخية التي نعيش.مع الأخذ بعين الاعتبار أن صقور الليكود قد وجدوا ضالتهم بتحقيق انتصار كاسح على ما كان يسمى بالعقدة التاريخية الذي كان يشكلها حزب العمل، ليس بجره إلى مواقعه بل بتبديد وإذابة هويته لتكون جزءاً من الهوية الليكودية. بمعنى أدق أن الليكود من خلال ديمومة الصراع الدامي نجح في إعادة تشكيل الخارطة الحزبية ـ السياسية، الذي عجز عن تحقيقها منذ عام 1976 حتى هذه اللحظة، بالإضافة إلى فرض شروطه على كل حلفائه من الأحزاب الدينية والقومية الدينية المتطرفة.هذا الانتصار التاريخي لن يضيعه شارون في خطوة تسووية مع الفلسطينيين، بل سيدفعه إلى ارتكاب المزيد من الجرائم، وأن قصف حي الملعب في غزة مقدمة لارتكاب المزيد من المجازر الأخرى الدامية، بالتوازي مع الصمت الأمريكي المخزي. هذه الأهداف والنوايا الإسرائيلية والأمريكية أعادت التسوية بكل تأكيد إلى المربع الأول، الذي سمي فيما مضى بغزة ـ أريحا أولاً على المدى المنظور، وسيبقى هذا الوضع رهناً بالتغيرات التي ستحدثها الولايات المتحدة في المنطقة وبالتحديد في العراق. لكن السؤال المهم، ما الذي سيكون عليه الموقف العربي إذا ما أقدم شارون على مذبحة أكبر، أو توسيع ساحة المعركة باتجاه لبنان تحت ذريعة مكافحة الإرهاب؟ ـ كاتب فلسطيني