القمع الفكري يتنافى مع الطبيعة، مع الحالة الطبيعية، القمع الفكري مضاد للانطلاق الفكري.. ليس من الطبيعي ان يكون فكر الانسان مقموعا، انسانية المخلوق ترفض القمع الفكري وتتفق مع الانطلاق الفكري، القمع الفكري يتناقض مع الانطلاق الفكري، وبالتالي تجب ادانة القمع الفكري وسجن الفكر وتقييد الخيال الفكري، ما دام ذلك الفكر مستلهما للمصلحة العليا للشعب، ويجب النهوض بالانطلاق الفكري، ومن طبيعة آلة او وسيلة الفكر ـ اي الدماغ ـ انها نشيطة ومميزة، وهذا الجهاز الفكري لا يقوم بالتمييز والتفريق إلا في سياق طبيعي اجتماعي موضوعي ذاتي. في هذا السياق يكون النقد من سمات هذا التمييز، وبما ان التميز لابد من ان ينشأ في هذا السياق، وان هذا التمييز لابد من ان يفضي الى النقد، فإن النقد الذي يصدر عن الانسان صفة متأصلة طبيعية فيه وحق من حقوقه، وبالتالي لا يقبل النقد التقييد والقمع. ينبغي ألا يكون لاحد في المجتمع البشري الحق في مصادرة الحرية الفكرية والنقدية، ما دامت هذه الحرية لا تؤذي احداً ولا تتنافى مع المصلحة العامة والتوجه القيمي والروحي العام. من اين لشخص ان يكون له الحق في ان يحظر على آخرين ما يكتبونه وفي ان يجيز لهم ما يكتبون، ما دامت كتاباتهم لا تتنافى مع المصلحة العامة والتوجه القيمي والروحي العام؟ ومما يقيد الانطلاق الفكري القيام على نحو متعمد أو غير متعمد وواع أو غير واع بتبني افكار مقولبة نمطية، تقيد هذه الافكار الانطلاق الفكري لانها متحجرة بنيويا ووظيفيا، بينما يكون الانطلاق الفكري ضد التحجر من الناحيتين البنيوية والوظيفية، الفكر في انطلاقه لا يكون مقصوراً على بنية واحدة، ولا يقبل بأن يكون مقصورا على بنية واحدة، الفكر في انطلاقه يتخذ اشكالا وبنى عديدة. يمكن ان يكون الفكر في انطلاقه نثراً او شعراً او مكتوبا او شفويا، او هادئا وصاخبا، او اغنية او اموالا، او مناجاة او تهويما، او وصفيا وتحليليا، او تفكيكيا، او فنا تشكيليا او لونا سرياليا، والفكر في انطلاقه لا يكون مؤديا لوظيفة واحدة ولا يقبل ولا يمكن ان يقبل ان يكون على هذا النحو. حينما ينطلق الفكر يؤدي وظائف كثيرة: يمكنه ان يوصل الرسالة وان ينتقد وان يقلق ويحث، وان يحرك ويحفز، وان يكتشف العوالم الخارجية البعيدة وان يسبر عوالم النفس الباطنية الشاسعة. ينبغي جمع الافكار المقولبة النمطية السخيفة لدى البشر وقذفها كلها في سلة المهملات، وبذلك لا نكون قد انجزنا المهمة، خدمة للانطلاق الفكري، ينبغي ان نبحث عن سلة نفايات اكبر لتتسع للافكار النمطية المقولبة السخيفة الاخرى التي لم نجمعها بعد، وبذلك لعل شمس الحرية الفكرية تسطع فتقتل جراثيم الخزعبلات وبذلك لعل روح المودة البشرية تسود العلاقات بين البشر والشعوب. يتوعك مزاجي ويضطرب من الافكار النمطية المقولبة السخيفة الرائجة في الغرب عن العرب، الافكار التي تصورهم جماعات شريرة معتدية لا تحب السلام، اكاد اتقيأ حينما اسمع، وانا اسوق سيارتي على الطرق السريعة بين نيوجيرزي ونيويورك وبنسلفانيا، الصفات السلبية المهينة التي ينسبها مقدمو برامج الراديو الى العرب شعوبا وافرادا، وقد يدري هؤلاء المقدمون وقد لا يدرون ان العرب لا يختلفون جوهريا عن شعب آخر، وان العرب شعب مسالم، وان للعرب حضارة عريقة. لا اقبل ان يستحيل علي ان ارفع صوتي الفكري عاليا في اي مكان في العالم، وان اغربل الافكار وان اكون ذاتي، وان اشعر بهويتي البشرية المتميزة، لا اقبل ان يستحيل علي في اي مكان على وجه المعمورة ألا انافق ذوي النفوذ والبأس، لا اقبل ان يستحيل علي ان ابكي على من قطعت يده لانه اراد ومعدته تتضور جوعا ان يأخذ رغيف خبر من اخيه الانسان. والقسر والاكراه والحمل والاجبار والاملاء والكبت وكلمات اخرى لها معان مماثلة أو مشابهة، تتناقض مع الانطلاق الفكري، هذه المعاني لا تطيق الاختلاف والفكر لا يطيق القضاء على امكانية الاختلاف المتأصلة في الانطلاق الفكري، اذا اطاق المفكر القضاء على هذه الامكانية اصبح مفكراً مقيداً باعتبارات غير الاعتبارات الفكرية، والتقيد الفكري باعتبارات غير الاعتبارات الفكرية يفسد الصفة الفكرية لدى الانسان، اي بذلك التقييد تنتفي صفة انطلاق الفكر الذي لا يقبل إلا بالاملاءات النابعة من منطق الفكر نفسه في محيطه الاجتماعي والطبيعي.