في البدء كانت الحرية.. نستنشقها بعمق.. نتحسسها برفق.. ونجلس في حضرتها نتعلم كيف نعتني بها.. ونخاف عليها.. نقفز من قامة حرفها الأول الممدود الى دائرة حرفها الأخير المربوط لنحتفظ بلياقتنا النفسية.. والعقلية.. والانسانية.. نتمسك بها من مليون سنة قبل التاريخ الى مليون سنة بعد الميلاد.. نفرش تحت قدميها سجادة حمراء.. ونزرع في شعرها قرنفلة حمراء.. كانت في الأصل خيوط وخطوط سائلة مسحوبة من عروقنا. في فجر يوم من أيام شهر رمضان الماضي اقتحم رجال أمن بيت شهدي نجيب سرور في حي السيدة زينب.. وكان واضحا أنهم يعرفون بدقة ما يريدون.. فقد اتجهوا الى جهاز الكمبيوتر وأقراصه المدمجة وبعض شرائط فيديو ونسخة من ديوان «لزوم ما يلزم».. ديوان أبيه الشاعر والمسرحي نجيب سرور.. وسرعان ما كان الجميع أمام جهات التحقيق.. بتهمة نشر قصائد جريئة - أو قصائد إباحية على حد قولهم - على موقع في شبكة الانترنت.. وفي تلك اللحظة كان سوء الفهم سقفا يغطي كل الأطراف. لم يكن المحقق يعرف أن شهدي هو مصمم صفحات موقع الانترنت لصحيفة «الأهرام ويكلي».. ولم يكن المحقق يعرف من هو نجيب سرور؟.. لم يكن يعرف أن نجيب سرور كان موهبة خارقة.. متنوعة.. عبرت عن نفسها بالشعر والتمثيل والنقد والكتابة للمسرح.. وتسائل المحقق: «هل هو كاتب معروف»؟.. و«هل له أعمال مشهورة؟».. ولم يكن الخطأ خطأ المحقق وإنما خطأ الذين قضوا على نجيب سرور حيا وميتا.. وخسفوا بسيرته وشهرته الأرض.. وكأنه لم يمر بهذه الأرض.. وكأنه لم يعرف أولئك الناس.. وكأنه لم يطعمهم كلمة من كلماته الشهية.. وتساءل المحقق بينه وبين نفسه: لو كان ذلك الرجل يستحق كل ما يقال عنه فما الذي جعله ينطق شعرا مغموسا في كل هذه الألفاظ والكلمات «المتجاوزة» في ديوانه الذي يشار اليه بعنوان «الأميات»؟.. ومن الذي وضعه على شبكة الانترنت؟.. وهل يعاقب القانون على ذلك رغم أن القانون لا يعرف الانترنت وليس خبيرا به حتى الأن؟. صدمة اللصوص نجيب سرور.. مبدع غير عادي.. لم يعتذر يوما عن الرقص فوق اللهب.. ولد في يونيو 1932 في قرية تسمى إخطاب تتبع محافظة الدقهلية.. شعر بجنوحه نحو المسرح فترك كلية الحقوق وكان في سنتها النهائية والتحق بمعهد الفنون المسرحية.. وفي نهاية 1958 سافر الى الاتحاد السوفيتي لدراسة الاخراج المسرحي على يد أشهر مخرج مسرحي في ذلك الوقت: نيكولاي أخلوبوف.. وعندما عاد الى القاهرة كانت كل مواهبه جاهزة لعناق البرق والرعد.. وتبارت المسارح لتقديم ما كتب من مسرحيات: «يسين وبهية» و«آه يا ليل يا قمر» و«يا بهية وخبريني» و«آلو يا مصر» و«قولوا لعين الشمس» و«منين أجيب ناس» و«النجمة أم ديل».. وغيرها من نصوص مسرحية تتفجر بملامح ومشاعر مصرية عاتية.. لملمها من الأسواق والمقاهي الشعبية.. أعطته جوازا للوجود.. وجعلته على قيد الحياة.. وفي الوقت نفسه كان الشعر يخرج من تحت جلده سائلا في لون خضرة الدلتا.. صارما كجبال الصعيد.. رحبا موحشا.. وكأنه بعضا من الصحراء المصرية الشاسعة.. وإن لم يخل الأمر من قطرات ماء.. وقطرات ندى.. وقطرات حب.. وهو ما ظهر في دواوينه الشعرية: «لزوم ما يلزم» و«فارق آخر الزمان» و«الطوفان» و«بروتوكولات حكماء ريش» و«التراجيديا الإنسانية».. بخلاف ديوانه الذي لم يتصور أنه سيتسبب في سجن ابنه. كان يؤمن أن الحب يطيل العمر.. وفي إحدى قصائده يقول: «حقا.. حقا.. إن الحب يطيل العمر.. حين نحس كأن العالم باقة زهر.. حين نرق كنسمة فجر.. حين نقول كلاما مثل الشعر.. حين يدق القلب كما عصفور.. يوشك أن يهجر قفص الصدر.. كي يعانق كل الناس».. ويقترب أكثر من العشق الذي لا يموت.. «يا مصر.. يا وطني الحبيب.. يا عش عصفور رمته الريح في عش غريب.. في جسمي المهزول آلاف الجراح.. وكما ذهبت مع الرياح أعود مع الرياح.. في اليأس شاة عاجزة.. ماذا لها إن سلت السكين غير المعجزة»؟. لكن شيئا ما في أعماق نجيب سرور كان يحشره بين اليأس والاحباط.. ولم يكن له من طوق نجاة سوى إغراقه في الشراب.. إن الفنان الرومانسي لا يقدر على التفاهم مع ما حوله.. ولا يستطيع تغييره.. وكل ما يقدر عليه هو نسيانه.. وتدمير ذاته.. لقد أحس وهو يدرس في موسكو بتسلل النفوذ الصهيوني الى معقل الأممية والشيوعية.. ولم يصدقه أحد إلا فيما بعد.. بعد أن مات وشبع موتا.. وظهر العفن على السطح.. وقبل أن يتدخل أحد لإزالته كان البنيان كله قد سقط وتهشم وتحول الى قطع زجاج منثور. لكن الصدمة التي دوخته وأسقطت الحلم والنموذج في عينيه كانت يوم قبض عليه في موسكو بعد مشاجرة عابرة تافهة بينه وبين جاره في مقهى.. اقتادوه الى قسم الشرطة وأوسعوه ضربا.. وفي تلك اللحظة انفرطت حبات الدموع من عينيه.. وفيما بعد قال: «لم أبك من الألم بل بكيت على انهيار المثل.. لقد صدقت أوهام إنسانية الاشتراكية.. لكنها كانت في النهاية مثل غيرها تجربة قمعية».. وعندما ترجم هذه الواقعة ـ الصدمة ـ شعرا كان التعبير مثل سيخ نار يخترق القلب ويحرقه ويجهز عليه قبل أن يمنحه حق الشياط: في جبهتي ـ أنظر وفي الكفين وفي الرجلين.. جئت أنا المسيح.. في البدء كان الأمر أصلب.. والآن صار الصلب أوجب.. حتما ستصلب من جديد.. هم في انتظارك.. كل أتباعك قطعان اللصوص.. هم في انتظارك بالصليب.. ماذا؟ أتبكي؟ كل شئ مضحك حتى الدموع.. العصر يضحك من دموعك.. من دموعي.. عصرنا عصر اللصوص.. بل أنت.. حتى أنت لص.. لو لم يكن ما كان في الأرض لصوص.. حتى أنا لص.. ألم أخدع طويلا باللصوص؟». الصدام مع النفس ما جرى له في موسكو جعله يتركها الى بودابست بدعوة من لاجئ سياسي مصري ليعمل في القسم العربي بالاذاعة المجرية.. ولم يعمر عبر موجات الأثير طويلا.. فقد كان النفوذ الصهيوني المتنامي يؤرقه.. وعاش هناك على فيض الكريم.. جائعا.. محروما.. عاجزا عن تدبير مكان لنومه.. وعندما سكنه الجوع ثلاثة أيام قرر أن يسلم نفسه للسفارة المصرية ويعود الى مصر ليموت فيها على حد قوله لأحد أصدقائه.. ورغم أن مصر فتحت ذراعيها له ولنصوصه المسرحية ولدواوينه الشعرية وكتاباته النقدية فإن حساسية المبدع والمثقف الرومانسي جعلته عاجزا عن الدخول في نسيج الواقع بكل ما فيه من نفاق وخداع وعلاقات تحتية.. غير سوية.. وغير أخلاقية.. لقد طارده أعضاء التنظيم الدولي للمنتفعين بالنظريات السياسية والعقائدية.. إنهم اللصوص الذين يتوارون وراء لوركا وشكسبير وماركس ولينين.. ويغلفون أقراص السم بطبقة عسل معجونة بالعدل والواقعية الاشتراكية وحقوق العمال والفلاحين وحتمية الثورة.. ووصلت المطاردة الى الحياة الشخصية.. بما فيها من غدر وخيانة ومتعة يهون في سبيلها أي مبدأ.. وانفجر الصراع مجددا في نفسية نجيب سرور.. صراع بين واقع مرفوض.. ومثال مستحيل.. «إنها مأساة العقل الذي يحفر كالمثقاب في طبقات الزيف والأكاذيب ليصل الى الحقيقة ولكنه في النهاية يواصل الحفر حتى يخرج الى الجانب الآخر محدثا ثغرة في السد تتسع مع الزمن لتندفع منها المياه المخزونة مدمرة كل شئ».. على حد وصف الدكتور أبو بكر يوسف لمأساة نجيب سرور.. وهي المأساة التي انتهت به الى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية أكثر من مرة.. وحتى هذه اللحظة لا أنسى مشهد نجيب سرور وهو يقف أمام كتب معروضة على الرصيف وهو يرتدي معطفا ثقيلا في عز الصيف ويمسك بيده «بطارية».. وكان معي رسام الكاريكاتير محسن جابر.. ولم نجرؤ على أن نعلق بكلمة واحدة.. وانصرف كل منا في صمت.. وبعدها بشهور قليلة.. مات نجيب سرور.. مات في 23 أكتوبر عام 1978. لقد هرب نجيب سرور من جحيم الغربة متصورا أنه سيلقي بنفسه في أحضان بلاده.. لكنه وجد في هذه الأحضان أشواكا وأسلاكا وأشلاء.. فلم يعرف أين المفر؟.. إن المأساة ليست في أن نواجه قسوة المنفى وإنما في أن نواجه قسوة الوطن.. المأساة ليست في أن نتلقى طعنات الغرباء وإنما في أن نتلقى طعنات الأصدقاء.. إننا نهرب من طعنات الغرباء الى ثكنات الأصدقاء.. لكن الى أين نفر لو كانت هذه الثكنات طعنات أيضا؟.. هذه هي مأساة نجيب سرور.. مضروبا في الغربة وفي القربة.. مطعونا من البعيد ومن القريب.. مظلوما من العدو ومن الصديق.. ضائعا.. هائما.. مشردا.. وحيدا.. ليس له إلا نفسه.. فلماذا تحتمله هي الأخرى؟.. لماذا لا تدفعه الى الصدام معها؟.. وقد انتهى هذا الصدام كما هي العادة بالقضاء عليهما معا. وفي لحظات الصدام بينه وبين نفسه قرر نجيب سرور التطهر من كل ما يمت الى الدنيا من حوله بنفاق وأدب ولياقة ودبلوماسية.. فكتب «الأميات» بكل ما في صدر شاعر موهوب من غل ويأس وجنوح.. تحولت كلماته الى لكمات.. لكمات تحت الحزام.. لا تفرق بين الحلال والحرام.. ولا تعترف بأعمدة الرخام.. وكل هدفها سب اللئام.. ثم الموت بعد ذلك في سلام.. وبلا كلام. إنه يصف بألفاظ جارحة العهر والدعارة في الوسط الثقافي الذي عانى منه.. ولكن.. ليس كل ما كتبه في هذا الديوان غير المطبوع يستحيل نشره.. بعضه يصل به الى ما يريد.. وأبعد مما يريد.. خذ مثلا: «سيد يا درويش يا نابغة ليه تموت مسموم.. والشعب ملبوخ في رجعة سعد (زغلول) من منفاه.. ميت في يوم القيامة مين على المرحوم هيبكي.. والكل وشه زي قفاه».. «ده شغل اليهود يا مصر في الضلمة.. ديابة سارحة ورا ولادك سنين.. تعابين في برج الحمام بس البلد نايمة.. يعني بقى مش غريبة نبقى منكوسين».. «أنا عطشوني تلات تيام في عز الحر.. لحد ما عميت وع الفناطيس ودلوني.. وفضلت أقربع لقيتني طرمبة يعني بهر.. أتاريه ما هوش ميه.. ده جاز.. ويا صبايا دلوني فين السبيل.. والسبيل مسموم وأنا العطشان.. مدد يا سيدنا الحسين نظرة يا جيل الجاز.. خربت تقولش انصبت بالسرطان.. يا فرحتي بالخنافس يرقصوا على »الجاز». وخذ مثلا: «عقود عمل ع القفا بس العمل بره.. هاجر وسيب البلد مفروشة للغربان.. يعني يا إما السجون يا الشنق بالهجرة.. يا إما تهمة جنون يا العيشة ع الصلبان».. «يا إما تسكر وتسكر زييي ليل نهار.. ونهار ولليل وانت شايف نكسة ع العتبة.. اسقيني واعميني لو حتى بمية نار.. علشان ما أحسش بأن السيف ع الرقبة».. «ماشي في شوارعك يا مصر معايا شهدي ابني.. ومراتي حامل بدور على أودة.. صبح الصبح والديوك كورس بيندبني.. أتاري دبح الديوك عند اليهود موضة».. «ما عدش غير دمي يلا سيحوا دمي.. أنا صليبي تعب يا مصر من كتفي.. أنا أبويا انقتل يا مصر بعد أمي.. وأنا كمان هانقتل ولا هاموت منفي».. «مش هانتحر حتى لو قتلوكوا يا ولادي.. حتى لو الانتحار كان الخلاص يا مصر.. أنا خلاصي خلاصك قولوا يا بلادي.. يا بلادي ليه الانتحار هوه النصر». .. وصدر الحكم ويعرف نجيب سرور أنه سيموت ميتة لم يمتها أحد قبله.. وساعتها سيعترف به الناس ويقولوا: لا قبله ولا بعده.. لكن ذلك لا يهمه.. ما يهمه هو أن يكلم ابنه شهدي: «بعد التحية يا شهدي والذي منه.. هاوصيك وصية تصونها زي نن العين.. ولما أموت أحكي عني وقول لهم.. «أنا مصري ابن مصري وملعون اللي ما له عنين».. «أبويا مات مصري ثاير.. بس عاش فيه.. أبويا عايش.. أبويا تاره لسه ما متش.. أبويا كافح وكان عنده الكفاح غية.. واللي أبوه زي أبويا يبقى ما اتيتمش»... «أكره.. وأكره.. وأكره بس حب النيل.. وحب مصر اللي فيها مبدأ الدنيا.. دي مصر يا شهدي في الجغرافيا ما لها مثيل.. وفي التاريخ عمرها ما كانت التانية».. «إياك تقول م العذاب «هذا جناه أبي».. ما كنت أقولها وكان أولى «أبويا جناه».. أبويا مجني عليه زيي.. ويا غبي قال ع القتيل إنه قاتل.. آه يا شهدي أه». ولا أتصور أن شهدي قال ساعة أن قبضوا عليه: «أبويا جناه».. لقد اتهموا شهدي بحيازة مواد تسئ الى سمعة البلاد وتخل بالآداب العامة.. وكان المقصود بهذه المواد ديوان أبيه «أميات» الذي كتبه بعد أن أخرجوه من جلده.. وحرموه من أقل حقوق البشر.. فما بال حقوق مثقف موهوب كتب فصلا رائعا في تاريخ المسرح.. يوم كان عندنا مسرح.. لقد فهمت كلمات الديوان على أنها كلمات «خارجة» و«قبيحة».. وهو ما حولها الى قضية آداب.. لم تفهم الكلمات في سياق أزمة شاعر عاش سنوات عمره الأخيرة متوجسا.. خائفا.. ضائعا.. يشعر أن كل قوى الشر تطارده.. وتستعد للانقضاض عليه.. ولم تفهم على أنها صورة من صور الرفض والغضب والرغبة في إيذاء من قتلوه حيا.. وصلبوه حيا.. وحرموه من كل شئ.. بما في ذلك السكن في جدران بسيطة متواضعة متهالكة.. إنه مثل الشاعر العربي الشهير مظفر النواب الذي لم يجد أمامه كلمات قبيحة يضرب بها واقعا أشد قبحا. خرج شهدي من سرايا التحقيق بكفالة ألف جنيه على ذمة قضية حملت رقم 14121 لسنة 2001 جنح السيدة زينب.. لكنهم لم يفرجوا عنه إلا بعد أن لعبوا معه لعبة «الكعب الداير».. أي الدوران به على كافة الأجهزة بحثا عن سوابق قد تكون له.. وهو أحيانا نوعا من العقاب.. خاصة إذا كان المتهم شخصية لها كيانها مثل شهدي.. وقد فعلوا ذلك والحديد في يديه.. بعد أن حشروه في سيارات نقل المساجين والمشبوهين.. ودون أن يقدر شقيقه فريد أن يوصل اليه علبة عصير.. أو علبة سجائر.. ومؤخرا حكموا عليه بالسجن سنة مع الشغل.. ولم يشفع له عدم معرفته بما جرى.. ولم يشفع له أنه ابن نجيب سرور.. وأنه ليس مسئولا عما كتب.. ولم يشفع له أنه واحد من أبرع مصممي الويب في مصر.. ولم يشفع له جهل القانون بالتغيرات التي حدثت والتي لم يلاحقها بعد دخولنا عصر الانترنت. ـ كاتب مصري