لا يجادل عاقل في أهمية الترفيه في حياة الناس، ولا يماري كل من له مزاج سليم بأن شيئاً من التسلية واللهو المباح يمكنهما، ان يساهما في رفع معنويات الانسان، وتخليصه من المشاعر السلبية، ومن الارهاق الذي ينتج عن زيادة المسئوليات، مما يستدعي اعادة جدولة الايام وتنظيم الساعات، من اجل الافراج عن بعض الساعات المضغوطة والمرصودة للعمل وتوجيهها للراحة للحصول على عوائد نفسية ومنافع ذهنية مضاعفة اذا ما احسن الانسان استثمار وقت التسلية في التزود بالطاقة المطلوبة!! ورغم بداهة هذا المطلب الذي ينسجم مع فطرة الانسان واستعداداته وحاجياته المتعددة، الا ان بعض البسطاء بالغ في العزف على وتر التسلية، وانقلب لديه التصور في هذه المسألة على النحو الذي جعل منه هدفاً وليس وسيلة مشروعة!! لقد آثر هذا النوع من الناس ان يبرمج انشطته اليومية فيما يخدم فكرة الترفيه وان يوجه وقته، وعلاقاته الاجتماعية، ومطالباته في الصحف والدوريات لتنفيذ هدفه اليتيم، الذي اوقعه في حالة شبيهة بالمرض، بعد ان ظهرت عليه اعراض التملص من الواجبات والتنافس في الحصول على المزيد من ساعات اللهو والانبساط في اي وقت وحين!! مثل هذه الفئة من الناس يفضلون قراءة سير المشاهير من اهل الفن والطرب، وعلى الاخص يؤثرون تتبع اسرارهم، واكتشاف الزوايا الخفية من حياتهم حيث تصبح الاثارة لدى هؤلاء هدفاً يستحق المتابعة والبحث لكون العائد منه خبراً مدوياً سينسب مصدر اذاعته بين شلة اللهو والعبث الى ذلك المتحري الحاذق الذي يتصفح المجلات، ويلتهم اوراق الصحف ـ في الجانب الفني فقط ـ ليأتي بشيء من الاخبار الساخنة فيلقي بها على وجوه اصحابه مما يزيد من كمية البهارات التي تضاف الى ما هو موجود من موضوعات وحكايات لا تتجاوز هذا المستوى، ولا ترتقي الى اكثر من هذا الافق الضيق!! حكاية هؤلاء المدمنين للعب واللهو، المهرة في تبديد الوقت، واستنزافه في غير طائل مع سبق الاصرار والترصد نتجت عن سوء تقييمهم لانفسهم، وانخفاض شعورهم بأن لديهم ما يمكن ان يمثل قيمة او ميزة تنهض بهم وتجعل لهم قدراً وقيمة وشأناً بين الناس!! والامر الذي لا يجادل فيه عاقل هو ان من يحسن تقييم نفسه، ويعرف مواطن القوة فيها فإنه لا شك سيبادر الى تفعيل تلك القوة، واثباتها على ارض الواقع، ليشهد على كفاءته الآخرون. ورغم ان هذا المعنى لا يشكل فهمه على ذوي الألباب والنهى، فإنه يغدو فكرة صعبة القبول، بل مستحيلة على مدمني البحث عن اللهو والعبث. ولكونهم مقطوعي الصلة مع هذا النوع من التفكير المنتج، فهم ـ بحكم واقعهم هذا ـ يمتنعون عن ممارسة اي حوار داخلي من شأنه ان يرفع معنوياتهم ويمنحهم شيئاً من الثقة بما لديهم من مميزات اعرضوا عنها، واهملوها!! حقاً انها لمحنة يشهدها الانسان حين لا تتجاوز علاقته بسنوات عمره التي تمضي مسرعة متعجلة مجرد اجترار الافكار المهترئة، والتصورات الضعيفة التي اصابت روحه بالسقم، وجعلت سلوكه بارداً، ليس فيه عائد مجد، ولا مكسب ملموس!! والسؤال الجدير بالعرض كيف يقبل الانسان ان يعيش كما مهملا ضعيف الاثر، محدود العطاء رغم انتمائه الى أمة تعصف بها التحديات من كل جانب، ويتناوشها الاعداء من كل اتجاه. فما بين مجاهر بالعداء، مكشر عن مخالبه، واضع يده على الزناد، مهدد متوعد، ينشر الرعب في كل مكان، ويثير البلبلة في اكثر العقول اتزاناً وثباتاً، قلب الموازين، وخلط بين الملفات، ورفض ان يزن الامور بميزان الحق والعدل، بعد ان سلم هواه القياد، وركب في مركب يريد ان يغرق به العباد، وجهته ارضنا، وهدفه رقابنا، لا يتوانى لحظة في ليل او نهار عن التدبير والمكر الخفي، ولا يتراجع عن عداوته او يخفي نواياه. وما بين عدو مستتر يؤثر المراقبة عن بعد، وينتظر اللحظة المواتية ليضرب ضربته التي يعد لها منذ أمد بعيد!! انها زلازل تعصف بنا، غير ان هواة الفرجة والبحث عن التسلية العابرة ما زالوا سادرين يحسبون انهم في مأمن وفي حصن حصين!! انها المفارقة المذهلة في ان ترى العدو يجد في الطلب وترى الهدف البشري غارقاً في اللهو واللعب!!