أوحت الاحتفالات الفكرية والسياسية والعسكرية التي جرت على نحو كبير ولافت اخيرا، بمناسبة مرور خمسين عاما على انطلاق ثورة الثالث والعشرين من يوليو، بأن العالم العربي، لايزال يعيش في «جلباب» الرئيس الراحل جمال عبدالناصر رغم ان كافة الدلائل والمعطيات على ارض الواقع، تثبت عكس ذلك تماما فالقيم التي روجت لها الحقبة الناصرية ودافعت عنها كثيرا مثل قيم الاشتراكية على سبيل المثال اصبحت في مهب الريح ليس فقط على المستوى العربي بل على المستوى الدولي وأضحت قيم الرأسمالية والسوق الحرة وشعارات العولمة والانفتاح وازالة الحواجز بين الثقافات المختلفة وحدها المتحكمة في توجهات كافة الشعوب. كذلك اصبح من كان يعاديهم عبدالناصر، ويصفهم بالقوى الامبريالية والاستعمارية الان في وضع مختلف تماما بالنسبة للعرب اذ انهم الاصدقاء والحلفاء والداعمون للكثير من انظمة الحكم، بل واكثر من ذلك انهم اصبحوا «وسطاء» في ملف الصراع مع العدو الصهيوني، وبعضهم نستجديه للتدخل والمساهمة في تحقيق التسوية!! اضافة لذلك فإن «جلباب ناصر» او النموذج الذي كان يمثله، والافكار والمباديء والتوجهات والشعارات التي كان يرفعها، لم تعد تصلح ـ رغم حبنا لهذا الرجل ـ في ان تتكرر مجددا لاسيما في هذا الوقت، اذ ان الظروف والتطورات الاقليمية والدولية لم تعد كما كانت سابقا، كما ان العالم ثنائي القطبية، والذي حقق بعض التوازن لم يعد موجودا، واختفى الاتحاد السوفييتي الذي دعم وساند عبدالناصر بشكل كبير. اذن طالما ان «جلباب» ناصر، لم يعد يساير نهج العصر الذي نعيشه او يواكب تطوراته، فلماذا هذا الاصرار، وتلك الرغبة الكبيرة في ان يتمنى الكثير منا وجوده بيننا، ويتبارى البعض مجتهدا في سرد تفاصيل قد تصل الى حد الخيال عن مواقفه وسياساته وتوجهاته، ازاء هذا الموضوع او تلك القضية «لو» كان حيا يرزق. أصدق القول اننا كأمة مهزومة، من قمة رأسها حتى اخمص قدميها، نتلفت يمينا ويسارا، محاولين البحث عن نصر حتى لو كان وهميا، ونفتش وننقب عن رمز يعيد الينا كرامتنا المسلوبة، ويرد الينا اعتبارنا، الذي تفنن الكيان الصهيوني في اهانته واذلاله بجرائمه الارهابية ضد الشعب الفلسطيني. لكننا نعتقد ان الامم التي تعشق العيش في الماضي، وتستمتع بأن تكون اسيرة للتاريخ وتفاصيله الصغيرة، وتتجاهل ان هناك حاضرا، ينبغي ان تواجه تحدياته، وتمارس فيه «الفعل» بدلا من الاكتفاء بالرد عليه، وتنسى ان هناك مستقبلا يجب ان تستعد له جيدا على كافة الاصعدة مثل هذه الامم لن يصبح لها مكان في هذا العالم. نعم نحب عبدالناصر، لكن من غير المقبول، ان نظل اسرى لـ «جلبابه» وان نكتفي دائما بالبكاء على ما فات، والتمسك بأشباه الانتصارات التي لم تحقق اي فائدة على الاطلاق. ان اكبر مكافأة لهذا الزعيم الثوري هي ان نستلهم افكاره وتوجهاته، والتصميم والارادة على مواجهة الصعاب، وان نطور نحن ادوات جديدة، ونبتكر آليات مختلفة للتعامل مع التحديات التي تواجهنا وفق معطيات العصر وقوانينه حتى نستطيع انجاز شيء حقيقي يستطيع كل منا ان يلمسه بكلتا يديه بدلا من ان نتصارع على الاحتفاظ بـ «الجلباب» الامر الذي سيصل بنا في النهاية الى تمزيقه!!