ما أوحش الليل اذا ما أنطفأ المصباح وأكلت خبز الجياع الكادحين زمر الذئاب وصائدو الذئاب وخربت حديقه الصباح (عبدالوهاب البياتي) فجر الاعلامي المخضرم حمدي قنديل ينابيع حزن الملايين من متابعي برنامجه (رئيس التحرير) حينما روى بعضا من ذكرياته عما حدث يوم رحيل عبدالناصر كما حكى الرجل تناقض المسئولين في التلفزيون بين كونهم لسان السلطة وكونهم لسان الشعب يوم التنحي .. وكيف ان الجماهير زحفت بعد عشر دقائق فقط من خطاب ناصر الشهير الى مبنى التلفزيون والى كل شوارع القاهرة كطوفان يطالب الزعيم المصري بالتراجع عن قراره. كان حمدي قنديل يومها مع زميلته الراحلة همت مصطفى في استوديو الهواء، وعندما بدأ الزحف الجماهيري اخذا يطالبان الرئيس بالعودة عن قراره استجابة لنبض الجماهير. وجد رئيس التلفزيون ان ما يفعله المذيعان خروجاً عن مقتضيات الواجب الوظيفي فحاول وقف ما يجري وعندما هم بدخول باب الاستديو، هدده العمال بكسر ذراعه ان اقترب وحاول وقف البث فلما فشل لجأ لوزير الاعلام. الوزير وكان وقتها محمد فائق استدعى حمدي قنديل من الاستديو .. عنفه ووبخه كثيرا مؤكدا له ان الرئيس تنحى وليس من المعقول ان يخرج تلفزيون الدولة الرسمي ليطالبه بالعودة، فلم يجد حمدي قنديل وسيلة يقنع بها الوزير الا فتح شبابيك غرفته قائلا: اسمع صوت الجماهير يا سيادة الوزير. كان حمدي قنديل ايضا من اذاع وقائع جنازة عبدالناصر .. تلك الجنازة التي لم تتكرر على مدار قرون كاملة الا بصورة مصغرة حينما توفي الامام الخميني، عاشت مصر ثلاثة ايام مفجعة تسير الجموع فيها على غير هدى. تغني اغنيات تعبر عن الاسى والفجيعة، ولم تفلح كافة اجهزة الدولة بسطوتها في الوقوف امام طوفان الناس ومشاعرهم، فلم تنجح حتى في اخراج جنازة رسمية. رحل عبدالناصر في اليوم نفسه الذي اغلق فيه غرفته على نفسه (قبلها بتسع سنوات) وأجهش بالبكاء لان دمشق التي احبها ضاعت بعد نجاح الانفصال في سوريا .. ويوم رحل لم يغلق احد باب غرفته على نفسه حتى يبكي ... بل كان البكاء فرضا جماعيا وطقسا عاما في كل العواصم والمدن التي عرفت عبد الناصر او سمعته او تعلقت بأمنية من امانيه، ولكأن الشارع رحل برحيل عبد الناصر لكن لا يعرف احد الى اين رحل النبض الجماعي للناس في بلادنا. عبقرية عبد الناصر التي جعلته قادرا على تحدي المحن انه كسر كل الحسابات السياسية باخلاصه وتفانيه وأوى الى جبل لا يموت كما يقول امل دنقل (يسمونه الشعب) فأوى الشعب اليه كاسرا كل الحدود وغير هياب من اي سلطة قد تكون معادية للزعيم المصري. حتى اشد منتقديه بعد هزيمة يونيو كانوا اشد الناس احساسا باليتم يوم رحل نزار قباني الذي قال هازئا بعد يونيو: اذا خسرنا الحرب لا غرابة لاننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة فالعنتريات التي ما قتلت ذبابة لاننا ندخلها بمنطق الطبله والربابة هو نفسه نزار الذي رأى ناصر كتابا جميلا نزل على العرب غير انهم لا يجيدون القراءة ورآه جبل كبرياء وآخر سيف من القادسية ونافضا عن العرب غبار الدراويش ومعلما اياهم الزهو والعنفوان وفارساً ملماً لا يجب ان يمضي. لم يصدق نزار انه مات .. كيف يموت الهرم الرابع؟ فقال ان السيد نام وانه دخل الغرفة كي يرتاح وانه موجود في ارغفة الخبز وازهار الاواني وفوق رمال الشواطيء وفي صلوات المصلين وكلمات الحب وعرق العمال: السيد ما زال هنا يتمشى فوق جسور النيل ويجلس في ظل النخلات ويزور الجيزة عند الفجر ليلثم حجر الاهرامات يسأل عن مصر .. ومن في مصر ويسقي ازهار الشرفات ويصلي الجمعة والعيدين ويقضي للناس للحاجات ـــــ لا يوجد شاعر عربي تقريبا لم يكتب عن رحيل عبدالناصر الذين عادوه كتبوا قبل من ناصروه . أمل دنقل، صلاح عبدالصبور، الجواهري، سميح القاسم، ابراهيم ابو سنة، وكثير غيرهم هزهم الموت المفجع وحتى اولئك الذين لا يستطيعون الكتابة تحت وهج النار كتبوا حينما هدأت النار العامة في عموم الوطن واستلمت الراية منها نارهم الذاتية كما فعل عبدالوهاب البياتي حينما كتب «مرثية الى اخناتون» بعد عام من رحيله. ناصر في عيون محمود درويش كان جزءا من ضمير كل شخص: نعيش معك/ نسير معك/ نجوع معك/ وحين تموت/ نحاول الا نموت معك. ويسأل درويش ناصر لماذا يموت بعيدا عن الماء والنيل ملء يديه وعن البرق والبرق في شفتيه . لماذا يموت بعد ان وعد القبائل برحلة صيف من الجاهلية ووعد السلاسل بنار الزنود القوية والمقاتل بمعركة ترجع القادسية، يتجسد ناصر امام درويش في كل شيء جميل بحياتنا: نرى صدرك الآن متراس ثائر ولافتة للشوارع نراك نراك نراك طويلا كسنبلة في الصعيد جميلا كمصنع صهر الحديد وحرا كنافذة في قطار بعيد ليس نبيا في نظر درويش لكن ظله اخضر يمنح للوجوه ملامحها ويجعل الموت والاغتراب اخضر وينقذ الوجه العربي من كونه محنطا في متحف انجليزي وان موته لن يوقف تحقق افكاره وامانيه. فوق ضريحك ينبت قمح جديد وينزل ماء جديد وأنت ترانا نسير نسير نسير احساس الناس باليتم واحزانهم ساعة رحيل عبد الناصر وفي كل ساعة يتذكرون فيها هذا الرحيل تشبه احاسيس اليمامة على قتل ابيها كليب بن ربيعة ولا ترضى بغيره بدلا. وحتى الذين كانوا يرون عبدالناصر دكتاتورا احسوا ايضا بأن الدنيا لا طعم لها .. تعاملوا بنفس منطق بدر شاكر السياب حينما فجع برحيل رفيقة حياته وخاطبها قائلا: أوصدي الباب فدنيا لست فيها ليس تستأهل من عيني نظرة سوف تمضين وابقى .. اي حسرة اتمنى لك الا تعرفيها. ــــ لن يتكرر عبد الناصر ولن يتكرر حزننا على احد بعده فالتاريخ لا يكرر نفسه وان فعل فهو في المرة الاولى دراما عظيمة وفي الثانية هزل سخيف كما يقول احد الفلاسفة لم يعد هناك شيء نمسك بتلابيبه لا الكرامة ولا الوحدة ولا الاستقلال الذاتي ولا ثورة عربية ضد التخلف والقهر والتبعية. أسأل شاعراً مجايلاً عن الثورة العربية فيجيب: تسأل عن الثورة العربية؟ الثورة العربية ترقص الديسكو تأكل البيتزا والكنتاكي والتكا والهارديز وما دامت كذلك فلا أمل من اي نوع يرتجى والأمل في جيل يتدفق في دمه عنفوان الشباب بعد ان اصابت دماءنا الشيخوخة والارتخاء