الذين يسارعون الى التذكير بفقه القانون الدولي ومتون حقوق الانسان وضماناتها وقتي السلم والحرب، بقصد إثبات جرائم اسرائيل وهي تقرر إبعاد عائلات الاستشهاديين الفلسطينيين ، الى غزة أو أي مكان آخر، يؤدون واجبا يستحق الثناء، وكذلك يستحقه كل من يسعى لتقويم السياسات الاسرائيلية وفقا للمقاييس الأخلاقية والانسانية السوية. غير أن هؤلاء جميعا يفعلون خيرا أكثر ملموسية ونجاعة، إذا ما وجهوا جهودهم ووقتهم الى عرض آليات أو مداخل عملية وواقعية ترشدنا الى كيفية مواجهة هذه الجرائم والسياسات. ثمة حاجة مفهومة ومبررة لرصد جرائم اسرائيل والتعريف بها على أوسع نطاق، لكن مرحلة الرصد والتعريف والادانة النظرية هذه امتدت كثيرا واستطالت.. ولعلها صارت مبتذلة أو حتى هروبية في التحليل النهائي، فصانع الجريمة الاسرائيلية ما عاد يحفل بهذه العملية الحسابية التي تضيف الى سجله الحقوقي والأخلاقي والسياسي جديدا كل يوم، إنه يهتم أساسا بما يجبره على دفع ثمن محتويات هذا السجل وهذا ما ينبغي الانشغال به، عربيا وفلسطينيا. هناك معطيات إقليمية ودولية مكنت مجرمي اسرائيل من الافلات بجرائمهم لعشرات السنين. وليس لدينا في الوقت الراهن ما يدل على أن هؤلاء ينتظرون العقاب المادي الرادع أو يخشون منه في الأجلين القريب والمنظور، والمدهش أنهم في اسرائيل يملكون قدرا من الوقاحة والتبجح يحملهم على مناقشة بعض هذه الجرائم بناء على قوانين دولتهم، دولة الاحتلال الارهابي. وذلك بمعزل عن التراث القانوني الذي اشتقته الأمم المتحضرة على مدار قرون، ولولا استشعار النخبة الحاكمة في هذه الدولة لأولوية قوانينها ومنظومتها الحقوقية قياسا بهذا التراث، لما أقدمت على هذه الوقاحة فيما يخض قضية الإبعاد عموما، وابعاد ذوي الاستشهاديين واخضاعهم للعقوبات بخاصة. في كل حال، لم يسبق للتراكم الحقوقي الكبير المتعلق بأبعاد الصراع الاسرائيلي العربي ولا بجرائم اسرائيل متعددة الأنماط والأسماء، أن شق طريقه الى التطبيق والنفاذ. حقائق القوة هي وحدها التي كانت ولا تزال صاحبة اليد العليا في معالجة هذه الأبعاد والجرائم. لو كان الأمر متروكا للسياق الحقوقي ولو كان هذا السياق نافذا ومسموع الكلمة، لما كنا الآن بصدد كل هذا الغلو الاسرائيلي في استخدام القوة، واذا كان الحال كذلك، فلماذا يتصور البعض أن جريمة الابعاد العتيدة سوف تشذ عن هذه الحقيقة المريرة؟ إن التشهير بهذه الجريمة على حكمته وأهميته النظرية لن يحول بين اسرائيل وبين اقترافها الآن ثم الولوغ في تكرارها لاحقا، ولذا، يتعين ردف هذا المدخل بالبحث عن وسائل أكثر فاعلية لمقاومتها. وينتمي الى هذا الجانب تعقيد مهمة اسرائيل في الوصول الى أقارب الاستشهاديين وأهلهم (وهو ما ينسحب على كل المقاومين).. من الأسئلة التي تشغلنا بهذا الخصوص: ما الذي يدفع تنظيمات المقاومة الى اعلان البيانات الكاملة حول هوية الاستشهاديين.. أسمائهم ومحل ميلادهم وإقامتهم وأعمارهم وسيرتهم الذاتية؟!.. لابد أن هناك مزايا ينطوي عليها هذا السلوك، غير أن الأمر لا يخلو من مخاطر، راحت تظهر الآن تباعا من جرائه.. فبمجرد الكشف عن سيرة الاستشهادي، تحرك اسرائيل آلياتها الانتقامية ضد كل ما ومن له صلة بهذه السيرة. وقد تدرجت هذه الآليات من القبض على الأقارب والتنكيل بهم الى هدم بيوتهم وتشريدهم، الى ملاحقة أرزاقهم والتضييق عليهم (بما في ذلك مطاردة القوى التي توفر لهم الاعالة والدعم المادي اقليميا ودوليا!) وأخيرا إبعادهم الى مناطق أخرى.. بكل ما يترتب على ذلك من عنت وتكدير وانتهاك لمجرى حياتهم الطبيعية. بالنظر الى هذه التداعيات، قد تكون فلسفة التعريف بسيرة الاستشهاديين بحاجة الى مزيد من التأملات والمداولات المعمقة، وعلى مستويات فكرية نضالية أوسع من المشاركين المباشرين في تنظيمات المقاومة المعنية. من الأسباب التي نتوقع اجتهادا أنها تنتمي الى هذه الفلسفة: أولا: تزكية الاستشهاديين وتكريمهم في سجل الخلود الفلسطيني والعرفان العاجل بفضلهم، والارتقاء بمقام البيئة الأسرية التي أفرزت نماذجهم «التضحوية» غير المسبوقة. لكن هذه الاستحقاقات جميعها مما يمكن الوفاء به في أوقات لاحقة، طالما أن العدو ما زال قادرا على الايذاء والانتقام. ثانيا: إن العدو سيصل حتما بأساليبه الاستخباراتية الى سيرة الاستشهادي الذاتية، بغض النظر عن اعلان التنظيمات عن ذلك من عدمه، لكن هذا مردود عليه بأن الأمر لا يكون على العدو سهلا في كل الحالات، ثم ما الداعي الى تسهيل هذه المهمة عليه من الأصل؟ ثالثا: من غير المستبعد أن يكون الكشف عن ملابسات العمليات الاستشهادية، بما في ذلك التعريف بأبطالها، بمثابة تزكية تنظيمات المقاومة ذاتها. لأن إخفاء حقائق هذه العمليات يسمح للمدعين أحيانا بتبنيها في غمرة التنافس الداخلي وإثبات الجدارة. غير أنه يمكن - وينبغي - الحيلولة دون هذا التنافس غير البناء والمؤذي في هذه الحالة بوسيلة أو أخرى. كالاتفاق على سرية القائمين بالعمليات والجهر فقط بعنوان الفصيل الذي يتولاها. أو حتى التوافق العام على سرية التنظيم والمنفذ بالكامل. والشاهد أن هذا السبب الأخير يشير الى بعض سلبيات غياب المركزية والتنسيق الميدانيين فيما يخص العمل المقاوم، الأمر الذي يستدعي الاستدراك دون إبطاء.. فأمام المقاومين مسار ممتد، عليهم أن يحافظوا خلاله على زخمهم وأن يحجموا خسائرهم وألا يتركوا لعدوهم نقاط ضعف ينفذ منها إليهم والى بيئتهم الشعبية. ربما أصاب اجتهادنا هذا بعض ما يعتمل في وجدان قوى المقاومة من دوافع، تدعوهم الى تحبيذ علنية التعامل مع حيثيات العمليات الاستشهادية. ولعل لدى هذه القوى ما هو أكثر إقناعا من الأسباب التي طرحناها.. بيد أن موضوع الموازنة بين العلنية والسرية على نحو كلي أو جزئي في هذا الاطار تبقى محلا للجدل، ومن المؤكد أنها سوف تستفيد بمزيد من الاجتهادات المناظرة. لقد توسع العقل الاسرائيلي الاستراتيجي في تدبر مواجهة العمليات الاستشهادية، معتمدا على مدخل تحميل مجتمع الاستشهاديين أعباء ما بعد هذه العمليات. ولا يضع هذا العقل في حساباته أي وازع حقوقي أو أخلاقي. ولن يردعه عن سلوكه الاجرامي في هذا الباب، سوى تدبر فلسطيني مواز، تضطلع فيه قوى المقاومة بالتفكير في كيفية تلافي خسائر هذه السياسة الاسرائيلية.. وذلك يعني أن يكون استبصار ما بعد العملية الاستشهادية جزءا أصيلا من خطة العملية ذاتها. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة