في دراسة حديثة تم تعريف العنف بأنه: استخدام القوة المادية لإنزال الاذى او الحاق التلف بالاشخاص او الممتلكات، وانه الفعل او السلوك الذي يتميز بهذا، وانه التقليد الذي يميل الى احداث الضرر الجسماني، او التدخل في الحرية الشخصية. وهذا التعريف يشمل مظاهر العنف من الشغب والتظاهر والتخريب، والجريمة، وتعاطي المخدرات وغير ذلك من مظاهر العنف. الا ان هناك مظهر آخرا من مظاهر العنف ينال القدر الاكبر من الاهتمام البحثي والعلمي، وهو العنف السياسي والذي يعرفه علماء الاجتماع السياسي بأنه: ظاهرة عادية تساهم في المحافظة على التوازن المجتمعي، إلا ان هناك فروقا بين العنف السياسي الذي تستخدمه الدولة والعنف السياسي الذي تستخدمه الجماهير. فالعنف السياسي الذي تستخدمه الدولة هو عنف نابع من الحرص على الحفاظ على كيان السلطة، ويمثل ـ ايضا ـ سياجا قويا لأيديولوجيات السلطة المختلفة ويتخذ شكلا واحدا، في حين ان العنف الجماهيري يمثل رد فعل اجتماعي للممارسات السلطوية ويتخذ اشكالا عديدة، اهمها: ـ الشغب، وهو عنف سياسي منظم وتلقائي، ويتم من خلال المشاركة الشعبية والتي تشمل الاضرابات السياسية والمظاهرات والثورات المحلية. ـ التآمر، وهو عنف سياسي على درجة عالية من التنظيم، ويندرج تحت التآمر عمليات الاغتيال السياسي المنظم، والارهاب في نطاق ضيق او محلي. ـ الحروب الداخلية، وهي عنف سياسي على درجة عالية من التنظيم مع مشاركة شعبية واسعة يراد بها قلب نظام الحكم. ومن هنا فإن كثيرا من الادبيات السياسية التي تعرضت لظاهرة العنف تجمع على ان هناك علاقة بين العنف السياسي والاقتصادي وعمليات التنمية وهي علاقة جدلية سالبة. التحولات السياسية ويمكن تمييز النظام الاقتصادي بشكل عام بأشكال متعددة، اهمها: ـ طبيعة الاقتصاد الاساسية من حيث البنية الهيكلية للاقتصاد وضعفها وقوتها. ـ مدى تشغيل القطاع الاكبر من السكان واستيعاب الاقتصاد لهذه القوة البشرية، وتباين قطاعات التشغيل. ـ طبيعة وعلاقات الانتاج من حيث تخلف الانتاج او تقدمه. ـ مجموعة الانتاج الاجمالي والمحلي بالنسبة لدخل الفرد. ـ وكل شكل من اشكال النظم الاقتصادية السابقة يرتبط بنوع معين من مظاهر العنف، اذ ان العنف بشكل عام موجود في جميع المجتمعات والبلدان، ولكنه يتفاوت بتفاوت النظم الاجتماعية والاقتصادية في مختلف البلدان، وكلما كان الاقتصاد متقدما ومتطورا قلت درجة العنف السياسي، وذلك وفق معايير اجتماعية وسياسية معينة، وكلما كان الاقتصاد متخلفا في وسائل انتاجه وعناصر الانتاج زادت مظاهر العنف وفق نفس المعايير. وقد حدد علماء الاجتماع السياسي ثلاثة فروض رئيسية لمعدل العنف السياسي، وهي: ـ كلما عظم التفاوت في التوزيع القومي، للدخول الشخصية، ارتفع مستوى العنف السياسي. ـ كلما عظم الانحراف القومي في مقياس تفاوت الدخول، عظم مستوى العنف السياسي. ـ كلما قل، او انتشر التوزيع القومي للدخل الشخصي، عظم مستوى العنف السياسي. وقد تم اختيار هذه الفروض في بيئات اجتماعية مختلفة، ومتنوعة، ولوحظ ان المعاني السياسية التي عنتها هذه الفروض، تفاوتت على نحو كبير من الشعوب الفقيرة، الى الشعوب التي تنعم بالرخاء الاقتصادي. وعلى هذا فإن هناك شبه اتفاق بين علماء السياسة، على ان التفاوت في النظام الاقتصادي يولد العنف السياسي. على ان هناك فرضية مهمة اخرى وهي ان التحولات السياسية الجديدة في العالم الآن والاتجاه الحاد نحو تبني سياسات اقتصادية جديدة في ظل الصراعات الدولية حول التجارة والاقتصاد، وتراجع سباق التسلح، هذه التحولات اكسبت المصالح والمنازعات الاقتصادية طابعا سياسيا جديدا أيضا نتج عنه مزيد من التوترات والصراعات والعنف متخذا اشكالا وصورا مختلفة، تتراوح ما بين المظاهرات السلمية وعدم التعاون، والمعارك على مستوى البرلمانات المختلفة، الى جانب مظاهر الشغب والعنف، والتقتيل في الشوارع، وعمليات التفجير المختلفة، وهذه التحولات الجديدة ـ ايضا ـ ادت بالاحزاب السياسية المختلفة وبخاصة الراديكالية منها، الى محاولة ايجاد تربة للتطرف الايديولوجي، والنضالية السياسية. ومن المعروف بشكل واضح، ان اي عملية تنموية تحتاج بالضرورة الى استقرار سياسي وأمني في اي دولة تسعى الى تحقيق المزيد من معدلات التنمية، وبالتالي فإن العنف السياسي احد معوقات التنمية، بخاصة في المجتمعات المستقلة حديثا والتي تسعى الى تحقيق توازن اقتصادية وتنموي في وقت اصبح العالم فيه يمثل وحدة سياسية، واقتصادية مترابطة، ومتداخلة على نحو كبير، وبروز اسواق عالمية للخامات والسلع الاساسية، وكذلك ظهور الكثير من التكتلات الاقتصادية الدولية. ومن ناحية اخرى بروز المقاومة من جانب فئات وطبقات معينة ترتبط بمصالح خاصة، وكذلك صفوف المعارضة النشطة مما يعمل الى ظهور الصراع والعنف بشكل واضح، وبالتالي تتراجع عمليات التنمية ويعمل العنف على طمس ملامح الخطط التنموية، والقرارات السياسية، والاقتصادية اللازمة لهذه العمليات. العنف في الدول النامية هناك مجموعة من العوامل الرئيسية التي تمثل قيودا معينة على عمليات التطور الايجابي في البلاد النامية، وتبرز هذه القيود بشكل واضح في الآونة الاخيرة وهي: ـ السياسة الامبريالية تجاه اقتصاديات هذه الدول، واهم هذه السياسات توغل الشركات متعددة الجنسيات في الاقتصاد الوطني لهذه الدول. ـ زيادة حجم الصادرات العالمية والمعاملات الدولية في الفترة الأخيرة. ـ الزيادة غير العادية في تدفق رؤوس الاموال الدولية. ـ ظهور التكتلات الاقتصاية والأسواق الأوروبية المشتركة. وهذه العوالم ساهمت بشكل كبير في زيادة الفجوة بين الدول النامية والدول المتقدمة، وادى الافراط الاستهلاكي في البلاد الصناعية الى استنفاد شديد لموارد الدول النامية، وبالتالي اصبح الطريق الى التنمية في هذه الدول معقدا ومحفوفا بالمخاطر. وعلى اعتبار ان العنف منتج ثانوي للعملية التنموية في دول العالم الثالث، فإن تعقيد وسوء عمليات التنموية يؤدي الى مزيد من العنف في هذه الدول. وفي هذا المناخ لا يوجد مجال للتنمية الاقتصادية او الاجتماعية، او بتشغيل الافراد والجماعات في الصراعات من اجل تحقيق المصلحة بشكل معقد ومخيف، ويتجلى هذا واضحا في دول العالم الثالث والتي تزداد تخلفا من جراء هذه الصراعات. ـ كاتب مصري