هناك في الخطاب السياسي العربي الكثير من التناقضات حول شخصية الرئيس الاميركي، فهو رئيس انتخب بلا اجماع، وانتخب دون ان تكون له تجربة كبيرة، وجاء الى الحكم ومعه فريق كبير دون ان يبدو انه يتساوى واعضاء فريقه الذين اختارهم. في شخصية الرئيس الاميركي ما يتعلق بتبسيط الأمور، والأخطاء اللغوية، وغياب الخبرة في السياسة الخارجية وغيره من الابعاد التي تجعل الكثير من المتابعين في العالم، وفي العالم العربي، ينظرون الى السياسة الاميركية بكثير من الاستخفاف والاستهزاء. ولكن خطورة هذا الأمر ان هذه الابعاد عن شخصية الرئيس الاميركي قد تضلل المتابع العربي، وقد تجعله غير قادر على رؤية حقيقة السياسة الاميركية وأبعادها القادمة بصفتها سياسة مؤسسات وسياسة مراكز قوى أكبر من شخص الرئيس. وكما هو معروف حول الرئيس الاميركي: لقد فاز كل مرة وانتصر على خصومه في الانتخابات السابقة في ولاية تكساس ثم الانتخابات الرئاسية بسبب استخفاف منافسيه به. وفي هذا المجال فإن شخصيته كما تعبر عن نفسها أصبحت عاملاً مساعداً لدوره ومساره. ولكن السياسة الاميركية التي تتبلور اليوم ليست حول شخصية الرئيس الاميركي، بل ان شخصية الرئيس لا تلعب الدور الرئيسي في السياسة الاميركية الراهنة. فهناك في الادارة الاميركية شخصيات قوية تقود الدفاع والخارجية وتقود جميع المؤسسات. هذه المؤسسات هي التي تصنع القرار الاميركي وهي التي تقود وتبلور السياسات، بينما الرئيس يميل بهذا الاتجاه أو ذاك بناء على معطيات المؤسسات وبناء على تصوراتها وأطروحاتها. ومع ذلك فإن محاولة فهم اتجاه وطريقة طرح الرئيس الاميركي للأمور يمثل أهمية محددة لنا في العالم العربي، وذلك لأنها انعكاس لاتجاه المؤسسات ولطبيعة المرحلة المقبلة، فهذا الرئيس بالتحديد تأثر أكبر الأثر بما حصل في الحادي عشر من سبتمبر. ولو كان أي من كان رئيساً للولايات المتحدة واضطر للاختباء لساعات وتغير مسار طائرته في ظل غموض الوضع وفي ظل مقتل الألوف، فسوف يكون عنيفاً في ردة فعله على قضية الارهاب. إن مسألة الارهاب قد أصبحت جزءاً ومكوناً رئيسياً في تفكير الرئيس الاميركي ومستشاريه ووزرائه، ولهذا فهي تحكم أجندته وتوجهاته وتجعله يميل لمحاكمة كل شيء في اطار هذه المسألة، وهذا أمر يتجاوز الرئيس في الوضع الاميركي الجديد. وهذا يتطلب منا تعاملاً صائباً ومقدرة على مواجهة الالغام التي تفجرها هذه المرحلة الحساسة. ومن الواضح من خلال خطابات الرئيس الاميركي وتوجهاته الجديدة اصراره على استخدام كل ما يستطيع من امكانيات لتغير الخارطة التي أدت الى احداث الحادي عشر من سبتمبر. وهذا يعني ان نأخذ مأخذ الجد قضية الضربات المفاجئة التي أصبحت جزءاً من تفكير الرئيس، وهذا يعني انها جزء من اتجاه المؤسسة الاميركية الرسمية. الضربات المفاجئة سوف تعني استعداد أميركي لتوجيه ضربات (قد تكون موفقة وقد لا تكون) لجهات ترى الولايات المتحدة انها تمثل خطراً عليها. ولكن هذا الأمر لا يتوقف عند توجيه ضربات، بل من الواضح ان الولايات المتحدة تبحث عن حرب كبيرة تنفس من خلالها حالة الغضب على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتساعد في فتح الاجواء العربية من خلال تغير نظام عربي. في هذا المجال أصبح الأمر العراقي مركزياً في تفكير الرئيس الاميركي ومعه المؤسسة الاميركية الأوسع التي تدفعه بهذا الاتجاه. ومن جهة اخرى، سيطر على تفكير الرئيس ومعه الفريق المحيط به أمر مرتبط بالتصرف الانفرادي. ان النزعة الانفرادية تعمقت لدى الادارة الاميركية ورئيسها منذ الحادي عشر من سبتمبر. هذا الاتجاه لا يعني عدم التنسيق مع الآخرين والضغط عليهم وغيره من وسائل الدبلوماسية، لكنه يعني اعطاء الولايات المتحدة الفرصة للتصرف بانفراد في بعض القضايا وفرض اجندتها على دول العالم. ففي هذا الاطار تبقى الولايات المتحدة الدولة الكبرى الوحيدة، ولا يوجد منافس اقتصادي أو سياسي أو عسكري لها على الصعيد العالمي كما أشارت التوقعات قبل عشر سنوات. إن كل هذا لا يعني ان السياسة الاميركية صائبة وناجحة. ولكن التعرف على طريقة التفكير هذه وطريقة صنع القرار الاميركية سوف تساعدنا في العالم العربي على التعامل معها.