على الرغم من الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تعيش حالة حرب مفتوحة يواجه فيها الشعب الفلسطيني الأعزل الجيش الإسرائيلي المسلح بأحدث وأفتك الأسلحة، دون أن يحاول أحد التدخل لوقف «إرهاب شارون» وحماية العزل الفلسطينيين من الموت المتربص بهم ليل نهار، وخطورة هذا الوضع على السلام العالمي. فقد احتلت قضية جزيرة «ليلى» أو «البقدونس»، طبقا للجانب المتعامل معها سواء كان المغرب أم إسبانيا في الثاني عشر من شهر يوليو الجاري، الصفحات الأولى للصحف ووسائل الإعلام العالمية، وكأنها قضية القضايا التي تشغل بال العالم وتهدد أمنه، مما يشير إلى أن قوة ما، أو قوى ما، كانت تقف وراء هذه الأزمة «المفتعلة»، وهو الأمر الذي لم يلتفت إليه أي ممن تعاملوا مع تلك القضية، لأن أياً منهم لم يتساءل عن الأسباب التي كانت وراء هذه الأزمة، أو التوقيت الغريب لإثارة قضية هوية تلك الجزيرة التي كانت خالية طوال قرون، بغض النظر عن انتمائها التاريخي والجغرافي والقانوني، وهو انتماء واضح لا لبس فيه، ولا يحتاج سوى الجلوس إلى مائدة صغيرة يتم عليها وضع خرائط الحدود التاريخية بين البلدين للتأكد من تلك الهوية بدلا من دخول العسكر في تحديد هذه الهوية. ولم يطرح أحد تساؤلا واحدا عن الرابح والخاسر في تلك الزوبعة الصغيرة بعد انتهائها بحل وسط «فرضه» وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، فيما كان الاتحاد الأوروبي يتخبط بين تأييده «المتعجل» لإسبانيا من خلال البيان الذي أصدرته الدانمارك، الرئيس الحالي للاتحاد، على طريقة «انصر أخاك ظالما ومظلوما»، وما بين تراجع دول أوروبية تعرف أن لها مصالح قد تتعرض للخطر بسبب هذا الموقف، مثل فرنسا ورفضها لهذا البيان، ومطالبتها التعامل مع هذه «القضية» على أنها قضية تتعلق بالعلاقات الثنائية بين المغرب وإسبانيا، ومطالبة الطرفين بالتفاوض بشأنها قبل أن تتحول إلى «أزمة» عامة حسب تعبير وزير الخارجية الفرنسي. وأيضا موقف الأمم المتحدة «السلبي» التي اعتبرت أن دورها انتهى بمجرد علمها «المسبق» من الجانب الإسباني بخططه لاستعادة الجزيرة بعمل «عسكري»، كان يمكن أن يؤدي إلى تفجير أزمة حقيقية، مع أن دورها كان يستدعي ان تحاول إثناء الحكومة الإسبانية عن استخدام القوة لاستعادة أرض مشكوك في أحقية سيادتها عليها. ثم يأتي دور جامعة الدول العربية «السلبي» أيضا الذي اكتفى بتصريحات مؤيدة للهوية المغربية للجزيرة دون التدخل «الإيجابي» باستغلال العلاقات التاريخية الطيبة مع إسبانيا، والتوسط في هذه القضية التي لا تعقيد فيها، بل جاء التعقيد من مجرد استخدام الكلمات المؤيدة وكأن «الهوية» مشكوك فيها. حسب المطلعين على ما حدث خلال تلك الأيام القليلة الماضية، فإن الاتحاد الأوروبي كشف مرة أخرى عن «انفراط» عقد أعضائه، على الرغم من المراحل التي قطعها نحو تكوين قوة ذات ثقل دولي والتي تم تتويجها في يناير الماضي بالعملة الموحدة «اليورو» التي أصبحت العملة الأولى في التداول المالي الدولي خلال الأسابيع الأخيرة وتراجع الدولار الأميركي إلى المركز الثاني عالميا في سوق المال. فقد جاء البيان الدانمركي منحازا لاسبانيا، ليس انحيازا تمليه المصالح الأوروبية بقدر ما هو انحياز أملته مصلحة خاصة لكوبنهاجن التي تعيش علاقاتها مع المغرب أزمة حقيقية وصلت إلى حد القطيعة الدبلوماسية بإغلاق سفارتها في الرباط قبل سنوات، وبالمقابل فتح سفارة لها في الجزائر في وقت كانت العلاقات بين البلدين العربيين متوترة. على اثر هذا البيان، كانت تصريحات رئيس المجلس الأوروبي روماني برودي أيضا متعجلة وذات لهجة تهديدية غريبة على اللغة الدبلوماسية الصحيحة، وكأنها جاءت لتصب مزيدا من الكيروسين على العلاقات المتوترة مع المغرب أصلا، واعتبر دخول قوات مغربية لجزيرة «ليلى» احتلال لأرض «أوروبية» (؟!)، وأن عدم انسحاب هذه القوات من الجزيرة ستكون له آثار سلبية خطيرة، وبهذه اللهجة وتلك اللغة فقد رئيس المجلس الأوروبي، بل والمجلس نفسه إمكانية لعب دور وساطة بين طرفين من المفترض أنه تربطه بهما علاقات قريبة المستوى، فإذا كانت إسبانيا عضواً كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي، فان المغرب تربطه بالاتحاد الأوروبي اتفاقية شراكة اقتصادية وسياسية، والتهديد باتخاذ إجراءات ضد المغرب يمكن تفسيره على انه محاولة ابتزاز للمغرب الذي يستفيد من اتفاق الشراكة بالتهديد بحرمانه من مساعدة تصل إلى 574 مليون يورو حتى عام 2006. ثم جاء الموقف الفرنسي ليترك الاتحاد الأوروبي، سواء الدانمارك الرئيس الحالي، أو رئيس المجلس روماني برودي، في موقف لا يحسدان عليه، وإذا كان الموقف الفرنسي أملته المصلحة الوطنية التي تقتضي تغليبها مصالحها في المغرب على مصالح الاتحاد الأوروبي يبررها أن فرنسا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، وموقفها من القضايا العالقة التي تدخل المغرب طرفا فيها كقضية الصحراء معروف بتأييده لموقف الملك محمد السادس، وربما لهذا السبب حصلت فرنسا على اتفاقيات للبحث واستخراج البترول في الأراضي المغربية منافسة بذلك الشركات الأمريكية في هذا المجال. ربما لهذا السبب وبعد اكتشاف الأخطاء التي ارتكبها المجلس الأوروبي بتلك الخطوات التي تشي بالعداء للمغرب اكثر منها خطوات تأييد لإسبانيا عضو الاتحاد الأوروبي، كان الباب مفتوحا أمام الولايات المتحدة وحدها لتلعب دور الوسيط «المحايد» بين الطرفين، فقد أكد مصدر من المجلس الأوروبي في تصريحات لصحيفة «الباييس» الإسبانية استحالة لعب دور الوسيط وإبعاد واشنطون عن التدخل في قضية مهمة تقع فصول أحداثها على الحدود المباشرة للاتحاد الأوروبي بقوله: وضعنا لم يكن يسمح لنا بلعب دور الوسيط بعد كل ما صدر عنا، ولهذا تركنا هذا الدور لتلعبه واشنطون. وبعد اكتشاف حكومة خوسيه ماريا ازنار أنها غرقت في مستنقع لا قرار له بتعجلها رفع علم الوطنية بشكل مبالغ فيها رضخت للوساطة الأمريكية لعله يساعدها على الخروج من مأزقها، وقبلت ما طلبه وزير الخارجية كولن باول انسحاب القوات الإسبانية من الجزيرة، مقابل وعد بعدم عودة قوات مغربية في «الوقت الحالي، ولحين إجراء مباحثات مطولة وموثقة تحدد هوية الجزيرة بوضوح»، فلم يكن أمام رئيس الوزراء الإسباني سوى قبول الوساطة الأميركية على الرغم من أنه يعتبر تراجعا في موقفه السياسي من القضية، خاصة انه رفض الاستماع لأي من النصائح التي قدمها إليه بعض مستشاريه بالتمهل في معالجة قضية الجزيرة مع المغرب، ومطالبة خبراء السياسة والاستراتيجية في بلاده بعدم استخدام القوة العسكرية في التعامل معها، خاصة بعد أن برزت كتابات «إسبانية» لعدد من الباحثين الإسبان الجادين تشكك في الموقف الإسباني، بل وتؤكد الهوية المغربية للجزيرة تاريخيا وقانونيا. فالجزيرة تقع جغرافيا في المياه الإقليمية المعترف بها دوليا للمغرب، حيث لا تفصلها عن الشواطئ المغربية سوى مسافة تقل عن مائتي متر، بينما تقع على بعد أربعة عشر كيلومترا من الشواطئ الإسبانية الجنوبية، وأيضا على بعد لا يقل عن ثماني كيلومترات من مدينة «سبتة» التي تخضع للسيطرة الأسبانية، والمتنازع على سيادتها مع المغرب، إضافة إلى المدينة الأخرى «مليلة» التي تعود قضيتهما إلى واجهة الأحداث السياسية الدولية كلما جد جديد في قضية تخلي بريطانيا عن مستعمرة جبل طارق. وتؤكد وثائق تاريخية إسبانية ودولية أن تلك الجزيرة التي يسميها المغاربة باسم «ليلى» فيما يطلق عليها الإسبان اسم «البقدونس»، نظرا لتكاثر البقدونس البري عليها بكثرة، عبارة عن صخرة صغيرة بارزة على سطح مياه مضيق جبل طارق، وتقدر مساحتها بحوالي ثلاثة عشر ونصف هكتار، أي حوالي 135 ألف متر مربع، كانت حتى رفع العلم المغربي عليها رسميا يوم الحادي عشر من يوليو الجاري جزيرة غير مأهولة، ولا يذكر التاريخ قيام أي نوع من أنواع التجهيزات العسكرية الثابتة عليها، من أبراج مراقبة أو قلاع أو غيرها، بل كانت مجرد جزيرة صخرية في معظمها، لم تكن عليها أنشطة معروفة سوى انتقال بعض رعاة الأغنام والماعز المغاربة إليها من منطقة جبل موسى القريبة لرعي قطعانهم على الحشائش البرية التي تنمو فيها، ومن وقت لآخر يلجأ إليها الصيادون عندما يغدر البحر بقواربهم الصغيرة في أيام النوات، وأيضا كانت بعض مغاراتها الصخرية مخبأ جيدا لمهربي المخدرات، إضافة إلى قوارب تجارة تهريب البشر التي نشطت خلال السنوات الأخيرة باتجاه أوروبا. لا تذكر الكتب والوثائق التاريخية الإسبانية التي تتناول العلاقات المتشابكة مع المغرب والتي صدرت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أي شئ عن تلك الجزيرة، لا باسم «ليلى» ولا حتى باسم «البقدونس» الذي شاع مؤخرا، ولا تتحدث عنها تلك الكتب إلا في أزمنة الصراع الاستعماري، فأول ذكر لها يعود إلى زمن الصراع الفرنسي البريطاني في تلك المنطقة الذي اشتد بالاجتياح الفرنسي لإسبانيا، وإخضاع ملكها لرغبات نابليون للوصول إلى شمال أفريقيا، في هذا النطاق يذكر المؤرخون أن قوات بريطانية مكونة من 300 جندي قاموا باحتلال تلك الجزيرة عام 1808 بهدف الضغط على القوات المتمركزة في مدينة سبتة التي كانت تحاصرها البحرية البريطانية، وتذكر صحيفة «لا جازيتا دي مدريد» هذا النبأ مشيرة إلى أن «جزيرة البقدونس التي احتلتها القوات البريطانية تخضع لسيادة سلطان المغرب»، وتذكر أيضا أن هذه الاحتلال تم بعد التشاور مع سلطان المغرب، ولم تنسحب تلك القوات من الجزيرة على الرغم من الاحتجاجات الإسبانية التي لم تطالب سوى بإبعاد الجنود البريطانيين عنها، مما يعتبر اعترافا ضمنيا بهوية الجزيرة المغربية. خلال القرن التاسع عشر بذلت إسبانيا عدة محاولات لاحتلال جزيرة «البقدونس» بعد تمكنها عام 1848 من احتلال الجزر الأخرى القريبة منها والتي يطلقون عليها اسم «الشريفية»، التي يطلق المغاربة عليها اسم «الجزر الجعفرية»، لكن المعارضة البريطانية لتلك المحاولات أفسدت خطط الجنرال الإسباني «نيرفايث». ثم كانت هناك محاولة إسبانية أخرى عام 1887 لاحتلال الجزيرة، لكنها هذه المرة ابتدعت طريقة طريفة لاحتلالها إذ أرسلت مجموعة من الجيولوجيين الذي نزلوا إلى الجزيرة غير المأهولة، وقاموا بوضع علامات خشبية تحمل ألوان العلم الوطني الإسباني بهدف تمهيد المكان لإقامة «فنار» ملاحي، إلا أن قوات مغربية قامت بتحطيم تلك العلامات، واحتجت على الهبوط إلى الجزيرة دون إذن من السلطات المغربية التي تمتلك حق السيادة عليها. كذلك فإن مراجعة جميع الاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المتعلقة بإسبانيا والمغرب لا تذكر شيئا عن انتماء الجزيرة لإسبانيا، منها مثلا الاتفاق الموقع بين البلدين في الأول من مارس عام 1799، وكذلك الاتفاق الموقع في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 1916 الخاص بوضع حدود مدينة سبتة الجغرافي لا يذكران شيئا عن الجزيرة على الرغم من وجودها على الخرائط التي يشير إليها الاتفاقان، ولا حتى الاتفاق الموقع بين إسبانيا وفرنسا عام 1860 الذي تعترف فيه فرنسا بالنفوذ الإسباني على مناطق الشمال المغربي في إطار اتفاقيات «الحماية»، وفي هذه الحالة الأخيرة خضعت الجزيرة للسيطرة الإسبانية كجزء من الأراضي المغربية التي شملها اتفاق الحماية، مما يعني أن استقلال المغرب عام 1956 أنهى السيطرة الإسبانية على هذه الجزيرة بالتبعية. بل أن «توماس جارثيا فيجيراس» مؤسس الايديولوجية العسكرية اليمينية «الفاشستية» التي قام عليها نظام الجنرال فرانكو بعد هزيمة الجمهورية الثانية في إسبانيا عام 1939 أقام حدودا واضحة بين الجزر الواقعة في مياه المتوسط والأطلسي التي تخضع للسيادة الإسبانية عن غيرها من أنواع السيطرة الأخرى الناتجة عن اتفاقيات الحماية، ويشير بوضوح إلى السيادة التاريخية على جزر جوميرا والحسيمة والجزر الشريفية، ويستثني جزيرة «ليلى» أو «البقدونس» من تلك السيادة التاريخية ويضعها في إطار السيطرة الناتجة عن بنود اتفاقيات الحماية. من خلال تلك النظرة التاريخية الموثقة يبدو انتماء جزيرة «ليلى» المغربي واضحا ولا يحتاج إلى عناء كثير لإثباته، مما يثير العديد من الأسئلة حول إثارة هذه الأزمة الآن، وبشكل خاص موقف رئيس الوزراء الإسباني الذي يبدو غير مبرر سياسيا، وان كان بعض المراقبين يرون إن خوسيه ماريا أزنار لم يفهم «رسالة» التحرك المغربي باتجاه إقامة حامية عسكرية على الجزيرة الهادف إلى تحريك الموقف الراكد منذ أشهر في العلاقات مع إسبانيا، وهو موقف لم يستغله رئيس الوزراء الإسباني للعودة إلى بحث تلك العلاقات، ولكنه اندفع نحو مزيد من التأزم بتلك العلاقة من خلال اللجوء إلى حل عسكري مشكوك في نتائجه. لكن الدور الأميركي في هذه الأزمة لا يزال يحتاج إلى بحث دقيق لمعرفة حقيقة هذا الدور، خاصة بعد أن تأكد أن الرابح الوحيد خلال هذه الأزمة المفتعلة هي الولايات المتحدة وحدها. ويؤكد مجددا على أن واشنطن لم تعد تثق في أي حليف في ظل سياستها المبنية على الانفراد في اتخاذ القرار، ويدللون على هذا الموقف بأنه بتقربها من المملكة المغربية لتنغيص السيادة الإسبانية على مضيق جبل طارق فإنها لا تفعل اكثر من «التحرز» من المفاجآت التي قد تؤثر على حريتها في اتخاذ القرار لحماية مصالحها. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا