استرسالاً مع موضوع اللغة العربية الحائرة بين ابنائها، الغريبة في وطنها، يستمر حديث اليوم الذي آثرت ان يكون قراءة متأنية لذلك الاستقراء الذي قدمه دكتور حسام النعيمي حول طريقة نطق الحروف لدى الاعلاميين العرب الذين يرى ان صلتهم قد انقطعت بعلم صفات الحروف نظرياً وممارسة. وضرب على قوله دليلاً حياً من واقع المذيعين العرب الذين يمثلون الطبقة المثقفة من المتصدرين للعمل في المحطات الاذاعية والتلفازية التي تنتشر في بلاد العروبة ومهد لغة الضاد. فعلى حد تعبيره يعاني (حرف الجيم) من الدخول في مرحلة الاحتضار على يد ابنائه، بعد ان شاع الجهل بالطريقة الصحيحة التي يمكن بها ان يتم نطقه سليماً دون تشويه أو تغيير. «فالجيم» ينطق في مصر بطريقة خاطئة، وكذلك يفعل أهل الشام الذين حركوا ألسنتهم عن المخرج السليم للحرف، فنطقوا به على شكل غير من طبيعته وجعله شيئاً آخر مختلفاً عن هويته الأصلية التي بها اكتسب صفته وشكله والصوت الخاص به، كذلك اهل العراق حولوا اللام القمرية في الجيم الى لام شمسية، فأصبحت الجريدة لدى العراقيين تنطق هكذا «أجريده» ويعلق دكتور النعيمي على هذا الاداء الصوتي الخاطئ لحرف (الجيم) من قبل الطبقة المثقفة، بأن حرف الجيم يمر الآن بمرحلة الاحتضار، بعد ان بات غريباً في الوطن العربي، ولا يعرفه الا أهل الجنوب في أرض السودان حيث يتقنون النطق به نقياً سليماً خالياً من التشويه والتحوير، كما اشار الى ان حرف «الضاد» قد مات على ألسنة أبناء العروبة الذين لا يعرفون صفاته الصوتية، ولا يجيدون بالتالي اخراجه من مخرجه السليم من الحلق. وبهذا فإن هذا الحرف قد مات على مستوى التداول والنقل على ألسنة العرب. وبناء على هذا الاستقراء الواسع الذي حدثنا عن طرف منه العالم اللغوي الكبير، فإن علم «صفات الحروف» يعاني من تدهور في الساحة الثقافية، ناهيك عن الساحة الشعبية التي هي أبعد عن تصور حجم المشكلة كما أنها أبعد في التأثير على اي قرار من شأنه ان يعيد شيئاً من التوازن الى الطريقة التي يتحدث بها أبناء هذه الامة. بعد ان تفشى الجهل بالقواعد العلمية لهذه اللغة منذ قرون عديدة فصلت ما بين ابناء العروبة، وبين زمن الفصاحة الذي جسده ذلك الأعرابي الصحيح اللسان حين قال: ولَستُ بنحوي يلوك لِسَانَه ولكن سليقي أقول فَأعرِبُ فقد كان الاعراب هم أفصح الناس، وكانوا يعجبون من علماء النحو الذين يشدون إليهم الرحال، ويسألونهم عن كيفية نطق بعض الكلمات، وعن الحركات الاعرابية. ولأن الاعراب لم يكونوا يعرفون تلك التصريفات النحوية فإنهم كانوا يرون ذلك البحث والتقصي من قبل علماء النحو شيئاً خارجاً عن المألوف، بعد ان وجدوا انفسهم فصحاء وبلغاء بالفطرة، وبدون وسيط تعليمي، حيث كانت اللغة تأتيهم طوع النفس والخاطر، وهو ما جعلهم جديرين بتلك المكانة التي وضعهم فيها علماء اللغة. فلقد استدرك الاعراب على النحاة اخطاءهم اللغوية والنحوية، وصوبوا كلمات اهل المدن اثناء سياحتهم من البادية الى الحواضر الكبرى. لكن السؤال الحائر من سيأتي الى ابناء العروبة في الألفية الثالثة ليقوم ألسنتهم التي تراجعت الى مستويات غاية في التواضع، وبها من المخالفة لقواعد اللغة ما كان سيحير أولئك الاعراب ويجعلهم يؤثرون الرحيل الى غير رجعة كي لا يروا الانتكاسة المروعة التي آل اليها امر العربية بين ابنائها الميامين!! ان الذي نرجوه ان يكون برنامج «لمسات بيانية» انطلاقة لأعمال اخرى تلبس الثوب العربي النقي نفسه، وتحاكي الهدف ذاته، وتمضي بخطوات حثيثة لرأب الصدع بين الأجيال العربية وبين هذه اللغة الشامخة القوية التي ما زالت تتحدى وتقاوم عن جدارة وفاعلية. بل لعلي اذهب الى ابعد من ذلك حين انادي بأن تبادر وزارة التربية الى ادخال «علم صفات الحروف» الى مناهجها اللغوية، بعد ان تشرك المعلمين والمعلمات في دورات مكثفة تختص بهذا الجانب الفني المرتبط بالطريقة التي تنطق بها الاحرف. وليس سراً ان نقول ان المستوى العلمي الذي يتخرج به طالب الجامعة من قسم اللغة العربية لا يرتقي به في جانب «علم صفات الحروف» ليدرس الطلاب دون ان يمر بخبرات تدريبية يكتسب من خلالها المزيد من المهارة، وتصقل معلوماته الاولية في ذلك الجانب على نحو يجعله قادراً على نقل خبرته اللغوية الى طلابه وتزويدهم بالمهارات المطلوبة. ان هذه العجمة التي أرخت بظلالها على المشهد الثقافي والاجتماعي تحتاج الى جهود منظمة، وبرامج تبدأ من قمة الهرم الاكاديمي ثم تمتد لتستوعب مختلف الهيئات والمؤسسات والفعاليات العلمية واللغوية من اجل تقويم ألسنة أهل الضاد، وتفعيل لغتهم في جوانب الحياة المتعددة.