أعادت الاحتفالات بمرور خمسين عاما على ثورة 23 يوليو 1952 طرح اسئلة يتجنبها كثيرون، من فرط جديتها وتبعاتها، ويتلهون عنها برواية احداث جزئية ومواقف عارضة، منزوعة من سياقها التاريخي، يسهل تأويلها حسب الطلب، ويستعيض عنها آخرون بالنبش في دفتر الأحزان والتجاوزات والضحايا، ونسج قصص درامية لشخصيات ازيحت عن المجرى الرئيسي للأحداث، بعد ان كانت في قلب دائرة الضوء، سواء كان السبب قدراً تاريخياً ام كان نتيجة لخطأ قاتل في لعبة الصراع. وتتعدد الروايات لقصة ثورة يوليو بقدر اتساع المسافة ما بين صناع التاريخ ومؤرخيه، هواة كانوا أم محترفين، تحركهم الرغبة في المعرفة والوصول الى الحقيقة، أم البحث عن ذرائع لاعادة صياغة التاريخ لخدمة زمرة او الانتصار لرأي او الثأر لخصوم. في قلب هذه الاسئلة، الخلاف حول طبيعة ما جرى ليلة 23 يوليو، عندما سيطر تنظيم الضباط الاحرار على مقر قيادة الجيش والقاهرة، فيما الملك فاروق وحاشيته غارقون في لهوهم بقصر رأس التين بالاسكندرية، وعلى هامشهم يقضي قادة النخبة السياسية الصيف، باستثناء مصطفى النحاس زعيم حزب الوفد وسكرتير عام الحزب فؤاد سراج الدين اللذين كانا في سويسرا، وفي صباح 23 يوليو اذيع البيان الاول لحركة الضباط من اذاعة القاهرة بصوت ضابط الاشارة انور السادات اشهر الضباط الاحرار لنشاطه السياسي واشتراكه في اغتيال امين عثمان، وتورطه في قضية الجاسوس الالماني ابلر والراقصة حكمت فهمي. ومن هنا، قفز السؤال الخالد، هل ما حدث ثورة ام انقلاب عسكري؟ ويدفع كثيرين حتى الآن للتمسك بأن ما جرى انقلاب، رغم ان اثنين من كبار مفكري مصر ورموزها انتبها بألمحية وحس تاريخي قبل مرور شهرين على حركة الضباط، ورأى اولهما وهو الشهيد سيد قطب الناقد الادبي والمثقف قبل تحوله الجذري باتجاه الاخوان المسلمين، وكتب في مجلة «روز اليوسف» مقالا تحت عنوان: «إن لم تكن ثورة .. فماذا تكون؟» مدافعا عن رأيه بأن حركة 23 يوليو ثورة في مضمونها على نظام سياسي واجتماعي فاشل، وتعبير عن طموحات شعب يتطلع للعدالة والمساواة والاستقلال والتطهر من الفساد الذي نخر أركان النظام البالي، اما الثاني فهو المثقف الليبرالي الدكتور طه حسين الذي اعتبر ما جرى ثورة مباركة. ويرتبط بالسؤال السابق سؤال عن علاقة الثورة بالقوتين الكبريين وقتها: بريطانيا العظمى بوصفها سلطة الاحتلال في مصر، والولايات المتحدة الاميركية باعتبارها القوة الصاعدة الساعية لملء الفراغ في الشرق الاوسط محل بريطانيا. وللاجابة عن هذا السؤال تطغى التفاصيل الصغيرة على البوصلة التاريخية للثورة، فيذهب بعض الغلاة من خصوم الثورة الى اعتبارها «ثورة يوليو الاميركية»، حسبما اجهد الراحل جلال كشك نفسه في لي عنق التاريخ لتصوير الثورة على انها صنعت بأيد وخطط اميركية، او حسبما اجتهد المفكر جلال امين في تصويرها كثورة تجاري توجهات العصر الاميركي الجديد، وكلا الرجلين اوقعا نفسيهما في خطيئة تاريخية ان لم تكن خطأ. فالثابت من الوثائق ان السفير الاميركي كافري، النشط في منتديات النخبة بالقاهرة ورغم هلعه من الجو السياسي المصري الملبد بغيوم التمرد وفساد الحكم الملكي، والمسكون بهاجس الشيوعية كبديل، لم يكن اقل مفاجأة من نظيره البريطاني لاميسون، وظلا على اتصال بفاروق حتى 26 يوليو عندما غادر الاسكندرية الى غير رجعة على متن اليخت «المحروسة» وغرق كافري ولاميسون في خدر سياسي عميق بعد ان نجحت مناورة عبد الناصر بتعيين وصي على العرش واسناد رئاسة الحكومة لعلي ماهر واستنتجا ان ما جرى مجرد غزو عسكري على فساد فاروق وان المسرح السياسي المصري لن يتغير جذريا. وزاد اطمئنان لندن وواشنطن بتولي محمد نجيب رئاسة مصر بعد اعلان الجمهورية، فلم يكن عبد الناصر قد اعتلى المسرح بعد، مكتفيا بتحريك خيوط الحركة من خلف ستار، وهي دلالة على نفاذ بصيرة عبد الناصر التاريخية، ووعيه المبكر بقواعد اللعبة الدولية التي لم تظهر فجأة، بل جاءت ثمرة لتراكم الخبرة السياسية وانخراطه المبكر في النشاط السياسي واقترابه من كل الاحزاب الفاعلة والتنظيمات الجديدة منذ بداية الثلاثينيات وهو طالب في مدرسة النهضة الثانوية، حيث انضم في البداية لجماعة مصر الفتاة بزعامة احمد حسين وفتحي رضوان، وارتباطه بالحزب الوطني وهما الداعيان لاستقلال مصر عن طريق الجهاد، والرافضان لاهدار الكرامة الوطنية في مفاوضات لا طائل منها مع المستعمر. وعلى ضفاف التاريخ الوطني والتحضير للثورة، اشتبك عبد الناصر مع كل التيارات الوليدة التي جاءت تعبيرا بشكل او بآخر عن رفض النظام القائم وتبشيراً بنظام اجتماعي جديد، منها الاخوان المسلمون والحركة الديمقراطية التحرر الوطني (حدتو) اكثر التنظيمات الشيوعية جماهيرية، على ان عبد الناصر في كل علاقاته مع هذه التنظيمات كان حريصا على استقلاليته، رافضا السجن الايديولوجي الضيق الأفق، ربما مدفوعا بحس تاريخي، او لنقل بنزعة «الزعامة» في تركيبته، للسعي نحو افق جبهوي قومي يتجاوز الحدود الحزبية، وهو ما وفر له النجاح في بناء تنظيم الضباط الاحرار من ضباط مختلفي المنابع الاجتماعية والسياسية بينهم الاخواني والشيوعي والليبرالي والوطني. وهذا في حد ذاته اجابة عن سؤال سيعاد طرحه حتى الذكرى المئة لثورة يوليو، لماذا نجحت حركة الضباط الاحرار في التطور من مجرد حركة مباركة الى ثورة عربية تحررية وحدوية ذات بعد اسلامي افريقي آسيوي، ودخلت في مواجهة ناجحة مع قوى الاستعمار الدولي دون الوقوع في فخ التبعية للمعسكر السوفييتي، رغم ان كثيرين انتقدوا حركة عدم الانحياز من منظور موال لموسكو، ففي كل الحالات سواء كنت متفقا مع عبدالناصر او منبهرا به ستجد نفسك إن التزمت بالصدق في موقع الاقرار ببطولته كصانع للتاريخ .. ندين له بأعظم انجازات امتنا ونتحمل معه كل الاخطاء.