لم أصدق أنني فعلت هذا لثمانية أيام رأست وأدرت مؤتمرا عن ثورة يوليو ما لي أنا والكلام في السياسة بل ما لي أنا وإدارة أي شيء، وأنا لا أستطيع إدارة حياتي اليومية ولكن الأمور انتهت على خير، وعدت في النهاية وأنا لا أكاد أصدق أن الأمر انتهى. وكانت الملاحظة المشتركة من الجميع: ما هو السر في هذه الاحتفالات الضخمة بذكرى ثورة يوليو وهو شيء لم يحدث في السنوات الاثنتين والعشرين الماضية، بل وربما لم يحدث في الخمسين عاما التي هي عمر الثورة. ولقد أثار هذا ذعر الذين تربوا على التعتيم على الثورة وما فيها وكان من هؤلاء الاستاذ عبد التواب وهو موظف في المكان الذي أقيم فيه المؤتمر وهو رجل طيب ونشيط وخدوم لكنهم نبهوا عليه منذ سنوات طويلة بأنه لا يجوز كذا وكذا. وارتبك الرجل ولم يعرف لمن يشكو، ويبدو أنه فكر أنني طالما رئيس المؤتمر ، وطالما أن الوزير وافقني على عقده في هذا المكان، فلابد أن لي علاقة بالسلطة طلب أن يتحدث إلي في أمر مهم وأخذني إلى غرفة وأغلق الباب: ـ هل توافق على ما يحدث هنا يا أستاذ ؟ - ولما سألته عما يزعجه قال همسا: ـ لقد وضعوا صورة جمال عبد الناصر أعلى المسرح. - قلت له متجاهلا: وأين تريد وضعها ؟ - زاد صوته انخفاضا: ـ أفرض أن أحدا رأى هذا، أو أن أحدا من أولاد الحرام أبلغهم به ماذا سيفعلون بك وبي. ـ أخذت أطمئنه بكلمات عامة ثم سألته: ـ أفهم من هذا أنك لا تحب جمال عبد الناصر! ـ صاح مستنكرا: ـ أنا ؟! ثم أدرك أن صوته ارتفع فعاد إلى همس يمتزج برقة: ـ ليس هناك من لا يحب جمال عبد الناصر يكفي يا أستاذ أنه الزعيم الذي جعلنا نحس بكرامتنا. وتحول الاستاذ عبد التواب بعد ذلك إلى قصة من قصص تشيكوف فهو يظهر يتأمل الشعارات والصور المعلقة في وجوم أقرب إلى الاستنكار، ويظهر غضبه على أي تجاوز من أي زائر ثم يهمس في أذني يستحلفني هل «هم» فعلا موافقون على ما نفعل؟ فأؤكد له أنهم موافقون، وسعداء، وأنني في كل ليلة أمر عليهم وأحكي كل ما حدث فيثنون علي وعلى كل الموظفين الموجودين خاصة الاستاذ عبد التواب! وتلمع عيناه بفرح يمتزج بالقلق، وربما كان يظن أنهم يستدرجونني لشيء وأن ذكر اسمه قد يورطه في شيء ما وفي آخر ليلة ومن باب المداعبة همست له وأنا خارج: ـ على فكرة الجماعة كانوا هنا الليلة! وتركته ينظر في ذهول وبالتأكيد سيزداد ذهوله لو أدرك أنني لا أعرف من «هم»؟ ولم أحاول أن أعرف عن الاستاذ عبد التواب أكثر مما أرادني أن أعرف ولكني عرفت أن له ثلاث بنات في سن الدراسة وكان يأتي بهم للسلام على ضيوف المهرجان والتصوير معهم ويشرح لهم همسا من هم: حسين الشافعي، وخالد محيي الدين، وحامد محمود، ومحمود المراغي، وحمدين صباحي، ومصطفى بكري، وفريدة النقاش وغيرهم: لكنه كان حريصا على ألا يظهر في الصور. وتحدث الجميع تصريحا أو تلميحا عن ظاهرة الاحتفال هذا العام وقال بعضهم ان العدوان الأميركي ضد العرب يستخدم كل الأوراق، ومن بين هذه الأوراق أن الأنظمة العربية ليست شرعية، ولذلك تريد هذه الأنظمة أن تثبت شرعيتها والانتماء إلى ثورة ما هو شرعية معترف بها. والأنظمة المختلفة التي مرت على فرنسا خلال أكثر من مئتي عام كلها تشبثت بالثورة الفرنسية سواء كانت أنظمة جمهورية أو ملكية. ولذلك فكر جماعتنا ـ هكذا قال المتحدثون ـ وأميركا تستخدم معهم أقذر الأسلحة في الانتماء الى ثورة يوليو والاحتماء بها. وطبعا هذا على غير المألوف! فالنظرية القديمة تقول ان فرعون لم يسبقه أحد ولن يخلفه أحد. وكان من عادة الفراعنة طمس ما كتب عمن سبقوهم وكتابة أسمائهم بدلا منهم. وتخيل أن تبني عمارة فنية أو تؤلف كتابا أو ترسم لوحة ثم يأتي من يحذف اسمك من عليها، ويضع اسمه كأنه صاحب هذا العمل. وكان يتردد دائما أنها نظرية فرعونية، وذلك لأن الفراعنة ضبطوا متلبسين بالجرم المشهود فكثير من الأثار مسحت أسماء أو طمست ، ووضع بدلا منها أسماء الفرعون الذي يحكم. لكنها للحقيقة ليست نظرية فرعونية فحسب، بل هي نظرية عالمية، الاسكندر المقدوني مثلا، عندما أدرك أنه متفرد وأنه خير البشر رأى أن انتماءه إلى أبيه فيليب يقلل من قدره فرغم أن فيليب كان صاحب الفضل في تجميع كثير من المدن اليونانية ومهد بذلك للاسكندر مشروعه العالمي إلا أن فيليب كان سكيرا وزير نساء، واهتزت صورته أمام الناس في نهاية حياته، وقللت أرملته من قدره أمام ابنه انتقاما لخيانته لها. ومن هنا قرر الاسكندر أن ينفي نسبه إلى فيليب وأن ينسب نفسه إلى زيوس كبير الآلهة، وأكدت أوليمبيا أمه أنها ذات ليلة أدركت أن فيليب هذا ليس فيليب فعلا بل ان زيوس تنكر في شكل فيليب وأنه ضاجعها فحبلت بابنها الوحيد الاسكندر الذي اصبح سيد الدنيا. الاسكندر كان يبحث عن شرعية أكثر من مجرد انتمائه إلى ملك مقدوني غير معروف، ولم يذكره التاريخ إلا أنه والد الاسكندر. هذه الافكار البسيطة، كانت لغزا للأستاذ عبد التواب الذي عاش حياته وكل الامور واضحة أمامه. أيضا كانت الأمور معقدة بالنسبة لبعض الكتاب فالجميع يكتبون عن ثورة يوليو، وعليهم هم أيضا أن يكتبوا، لكنهم لا يطيقون ثورة يوليو بسبب أو لآخر، فكتبوا عن ثورة يوليو انها لها إيجابياتها وسلبياتها وهذا طبيعي لكنهم لم يذكروا أية إيجابية وذكروا كل ما يتخيلونه من سلبية. وكثيرا ما أتوه في بعض الكتاب الذين يقفزون من موقف إلى موقف أحدهم امتدح جمال عبد الناصر وثورة يوليو حتى صار حديثه ممجوجا، فلما أتى زمن الهجوم على عبد الناصر كان أول المبادرين، فلما خفت فترة الهجوم، بدأ يضع قدما هنا وقدما هناك. فيكتب مقالا يمتدح وآخر يهاجم وأحيانا يكون المدح والقدح في المقال نفسه سطر هنا، وسطر هناك! هؤلاء البهلوانات هم الذين يدهشونني ولكنني لا افهم الامتعاض من نظام الثورة: فالثورة عندما تأتي تكون لها أحلامها الكبرى، فلا ثورة تقوم لإصلاح حال الموظفين أو رصف الطرق، إنما تقوم لتقدم المجتمع ككل ولو كانت الثورة جنينا في صدورنا قبل قيامها، سنحملها أحلامنا نحن أيضا فإذا لم نكن نفكر في الثورة وجدناها فرصة لنضع على كتفيها ما نريد وبالتأكيد هناك مسافة بين أحلام الثورة وبين إنجازاتها، فمن الذي يستطيع أن يحقق أحلامه ولذلك فالناس يعتقدون أن الثورة أية ثورة أهملت في إنجاز ما وعدت به. والاختلاف أمر طبيعي والنقاش أمر ضروري لكن الغريب هو الاستاذ عبد التواب وبناته الثلاث!