في احد اعداد صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية الشهر الماضي مقال بقلم الصحافي افيف لافي حول الموقف الذي اطلقه، ثم اعتذر عنه بسرعة، مؤسس شبكة «سي. ان. ان» التلفزيونية الأميركية، تيد تيرنر، وتحدث فيه عن فقدان الأمل لدى الشبان الفلسطينيين الذين يضحون بأنفسهم في العمليات الاستشهادية ضد اسرائيل، وعن ان الارهاب تهمة يمكن ان توجه الى الطرفين، اي الى الفلسطينيين والاسرائيليين في وقت واحد. وكانت حكومة اسرائيل قد هددت تيرنر والشبكة الأميركية بالويل والثبور، وتوعدت بالغاء العقود التي تمنح الشبكة تسهيلات للعمل واستخدام المواقع والتجهيزات الالكترونية التي تملكها الشبكة التلفزيونية الاسرائيلية، الا انها سرعان ما قبلت اعتذار تيرنر وتراجعت عن تهديداتها ليعود الأمر الى ما كان عليه قبل الحادث الذي وصف بأنه «زلة لسان» او «اساءة تعبير» من قبل تيرنر. لكن اهم ما في مقال لافي، في كل حال، كان نهايته التي جاء فيها ما يأتي بعبارات شبه حرفية: «ان شاي بازاك، المتحدث السابق بلسان رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق بنيامين نتانياهو، وفيما بعد القنصل العام لبلاده في ميامي، اعاد الى اذهاننا (من على شاشة القناة الأولى للتلفزيون الاسرائيلي قبل ايام) ماذا حدث عندما نشب خلاف بين الاعلام الأميركي ورأس المال اليهودي في اميركا. قال بازاك: لدي صديق في ميامي اعتاد ان يزود صحيفة «ميامي هيرالد» باعلاناته، وفي وقت بدت فيه تقارير الصحيفة معادية لاسرائيل، فان هذا الصديق قام بابلاغ الصحيفة بأنه يتجه لمنع اعلاناته عنها. بعد ذلك بأسبوعين فقط، كان مراسل الصحيفة في اسرائيل يستدعى الى بلاده ويعين مراسل جديد بدلا منه. ومنذ ذلك الوقت فان الصحيفة تنشر تقارير موضوعية عن اسرائيل كما تنشر في الوقت نفسه اعلانات الصديق. الأميركيون يفهمون لغة المال فقط». هذا المقطع من المقال بدا لي ذا دلالة خاصة بينما كنت اتابع مشاورات، ثم قرارات، وزراء الاعلام العرب في الشهورالماضية، حول الدورالذي يجب ان يضطلع به الاعلام العربي لاطلاع الرأي العام العالمي، والغربي منه بشكل خاص، على حقيقة المواقف العربية (وليس الموقف العربي الواحد، للأسف !) سواء فيما يتعلق بتهمة الارهاب الملصقة بالعرب، وبالمسلمين عامة، منذ الحادي عشر من سبتمبر في واشنطن ونيويورك، او فيما يتعلق بالحق الفلسطيني، وبالتالي العربي، المعترف به دوليا وفي شرعة حقوق الانسان بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي على طريق انهائه، اقله تنفيذا للعدد الكبير من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة بهذا الصدد. إعلام نمطي لا يعني المقال بتاتا ان اسلوب الضغط بالمال، عن طريق الاعلانات والاشتراكات والعلاقات العامة، هو الأسلوب الوحيد الذي تلجأ اليه اسرائيل - ومعها الصهيونية العالمية - في تعاطيها مع الاعلام في العالم، تجميلا لصورتها من ناحية وتشويها لصورة العرب والمسلمين من ناحية ثانية. لكنه من دون شك واحد من اساليب اسرائيلية متعددة ومتنوعة. في كل حال ليس المثل السابق عن «ميامي هيرالد» وحيدا، اذ سبقته امثلة عديدة بينها ما نشرته احدى المجلات اليابانية (لم اعد اذكر اسمها) قبل سنوات عن توقفها عن الصدور بصورة نهائية لمنع احدى الشركات العالمية اعلاناتها عنها للسبب نفسه. اكثر من ذلك، يجب علينا الاعتراف بأن رجال الاعلام في الغرب ـ او كثرتهم الغالبة على الأقل ـ ليسوا من صنف البشر الذين يسهل شراؤهم بالمال او بغيره من المغريات، وبأن اجهزة الاعلام التي يعملون فيها عرضة لمثل تلك المغريات والضغوط ناهيك عن ان العديد منها مملوك اصلا من رأس المال اليهودي او من رأس المال المرتبط باللوبي الصهيوني. تلك حقيقة، لكن المعضلة الأولى والأهم، في الحالتين معا، لا تكمن في التواجد الاسرائيلي الدائم ضغطا واغراء وتوزيع معلومات مضللة هنا وهناك فقط، وإنما أساسا في الغياب العربي شبه المطلق في مواجهة ذلك الحضور الدائم. بل وأكثر، وهذا ما ينبغي الاعتراف به كذلك، فما تنشره صحافة العالم العربي وتبثه اجهزة اعلامه المرئية والمسموعة ليس في غالبيته مما يصلح لمخاطبة القارئ الغربي (كونه يغرق في كلام لغوي منمق) ولا مما ينفع في نقل صورة العرب الحقيقية اليه (كونه موجها الى القارئ العربي وحده) ولا هو موضوعي او علمي او حتى مهني الا فيما ندر (كونه يلجأ عادة الى ما يمكن تسميته بالنمطية STEREOTYPES التي يأخذها العرب على معظم الاعلام الغربي). والقضية ليست قضية ندرة الكفاءات العربية، ولا هي عدم المعرفة بما يحتاجه القارئ الغربي وبكيفية التعامل معه، وانما هي اساسا وفي المقام الأول قضية افتقاد النخب العربية، سواء في الاعلام او في الثقافة او في الفكر السياسي، الحد الأدنى من حرية الحركة فضلا عن الحد الأدنى من حرية العمل الابداعي في المجال الوطني العام. بل وأكثر من ذلك ايضا وايضا، فما تقوم به عمليا الدبلوماسية العربية - عذرا الدبلوماسيات العربية ! - لم يوفر في السابق، ولا يوفر الآن طبعا، ما يمكن للأعلام العربي ان يعتمد عليه في محاولته تقديم صورة متماسكة واحدة، لموقف عربي متماسك واحد، من معظم الاحداث التي تتعلق بالعرب وبالمسلمين في العالم. غياب شامل الجانب الآخر هو الغياب العربي، الرسمي منه وغير الرسمي، عن ساحة الاعلام برغم ان هذه الساحة باتت مشرعة الأبواب للعمل، والى ابعد الحدود، في عصر الثورة العظمى الجديدة في العالم: ثورة تكنولوجيا الاتصالات. كيف ؟! ولماذا ؟!. نسمع منذ حوالي عامين تقريبا عن قرارعربي بانشاء فضائية عربية باحدى اللغات الاجنبية في احدى عواصم العالم، وبتكلفة عشرين مليون دولار. المشروع متواضع، كما قيل باعتبار انه مجرد بداية، لكنه لا يزال مشروعا للآن بينما تم فعلا وفي خلال شهور قليلة انشاء فضائيتين مضادتين باللغة العربية، احداهما اميركية والثانية اسرائيلية. والمبلغ ضئيل جدا، كما قيل ايضا حتى لمشروع بمثل هذا التواضع، الا ان دولارا واحدا منه لم يسدد بعد من قبل اية دولة عربية. في المقابل، وربما لأن الدولار الواحد الذي لم يدفع لن يدفع في المستقبل ايضا، خرجت علينا الدورة الخامسة والثلاثون الأخيرة لمجلس وزراء الاعلام العرب بمشروع جديد اطلقت عليه اسم «المرصد الاعلامي» بمهمة رصد الحملات الاعلامية التي تستهدف العرب في الخارج، على طريق تجميع المعلومات والبيانات والمواقف اللازمة للرد عليها!!. قبلهما، اي قبل الفضائية باللغة الأجنبية والمرصد الاعلامي، سمع العرب بقصة «المفوضية الاعلامية» التي قررت جامعة الدول العربية انشاءها، وأوكلت رئاستها للوزيرة الفلسطينية حنان عشراوي، تماما كما سمعوا بالنهاية التي انتهت اليها.. اي بقاء القرار حبرا على ورق، كما هي نهاية الكثير من قرارات الجامعة !!. وهكذا فلا عمل اعلاميا عربيا مشتركا، ولا يبدو انه آت غدا او بعد غد. والمكاتب الاعلامية التابعة لسفارات الدول العربية تحصر همها - اذا كان لها من هم ؟! - في الدفاع عن الحكام وسياساتهم وحتى عن ممارساتهم الشخصية، وفي حالات كثيرة في نقل المعارك العربية البينية الى عواصم العالم الخارجي. وفي هذا الصدد، فليس حال المكاتب الاعلامية التابعة لجامعة الدول العربية، وهي معدودة، بأفضل من حال الجامعة التي لا قدرة لها على التحرك الا فيما يحوز على اجماع عربي.. وما اقل ما يحوز على اجماع عربي !!. هذا على الصعيد الرسمي، اما على الصعيد الأهلي فمن الواضح ان الفضائيات والاذاعات والصحف العربية المنتشرة في العديد من دول العالم لم تعط نفسها وظيفة غير وظيفة مخاطبة الانسان العربي، وبلغته العربية، سواء كان مقيما في وطنه او كان من المهاجرين او حتى من السياح العرب في الخارج. وقد تكون مثل هذه الوظيفة مفيدة، وحتى ضرورية لأعادة وصل المهاجرين (او هم مهجرون، بالقمع او بالحاجة ؟!) بالوطن وبقضاياه، غير ان هذه المهمة لا علاقة لها بالحضور الاعلامي العربي في العالم. ... وهذه هي بعض جوانب الصورة الاعلامية العربية في الخارج، جهلا او عجزا او تقصيرا او لامبالاة او حتى «اقتصادا» في الانفاق.. او نقصا في رؤوس المال وتاليا في الاعلانات، او سمها ما شئت. ... لكن، مع ذلك، هل شاهد احد، او سمع، مسئولا عربيا يتحدث عن القضايا العربية من دون ان يشتمل كلامه على دعوة ملحة الى دور اعلامي عربي فاعل في العالم؟!. ... وهل تكفي السطور السابقة للاجابة عن السؤال ؟!. ـ كاتب لبناني