كما تابع الجمهور في العالم أجمع، وكما تردد على شاشات التلفزيون انطلقت رصاصتان في الساعة العاشرة صباحا من يوم الأحد الرابع عشر من يوليو، في شارع شان زيلزي الشهير بباريس. كان الهدف المقصود هو رأس جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية الذي كان يعتلي سيارة عسكرية مكشوفة الى جانب قائد الأركان... وكان الماسك بالبندقية شاب فرنسي اسمه مكسيم برونيري احد الناشطين من حزب «الجبهة الوطنية». وهذا الشاب معروف لدى المصالح المختصة للأمن الفرنسي بأفكاره اليمينية العنصرية، وقد نشرت الصحافة صورته وهو يشارك في مظاهرات حزبه يوم اول مايو 2000 ويحمل راية النازية الجديدة مع حشد من «حليقي الشعر» أولئك الذين يريدون احياء كفاح الزعيم النازي الالماني ادولف هتلر، ويعتقدون ان الأوروبيين الحقيقيين الاصلاء هم الشقر ذوو البشرة البيضاء والعيون الزرقاء وأن الدم الذي يجري في عروقهم هو الدم الازرق.. الافضل والأنقى، وأن الاعراف الاخرى من عرب ويهود وأفارقة وآسيويين ولاتينيين هم الأعراق الأحط والأقل والأنقص!! انطلقت اذن الرصاصتان من بندقية مكسيم وقد أخفى سلاحه وسط الجماهير الحاشدة في حاملة كمنجة... وعندما اخرج مكسيم البندقية وصوبها نحو الرئيس شيراك، قام رجل فرنسي اسمه باسكال بتحول ماسورة البندقية الى اعلى فضاعت الرصاصة الأولى في الهواء. ولم ييأس القاتل فافتك بندقيته وصوبها مرة ثانية بدقة اكثر نحو رأس هدفه فأسرع اليه في اللحظة نفسها محمد الشلاتي العربي المسلم الحامل للجنسية الكندية وهو من اصل مغاربي.. أسرع بشجاعة وجرأة واختطف البندقية وأمسك بالقاتل هو ورجلان آخران وأوقعاه أرضا الى ان جاء أعوان الأمن وألقوا القبض على مكسيم برونيري. أما الرئيس شيراك فلم يشعر بأي شيء خارج عن المألوف وتم كل شيء في نطاق الهدوء. هذا هو الحدث كما وقع، ولسائل ان يسأل لماذا نسلط عليه ضوءا جديدا بعد اسبوعين؟ وسبب الرجوع الى هذا الحدث والتعليق عليه هو أنني كنت شاهد عيان مع أولادي في استعراض الرابع عشر من يوليو، فهو العيد الوطني للجمهورية الفرنسية، ويمثل قمة الدقة والجمع بين الموسيقى والنص التاريخي والتعريف بأهم معالم التقاليد العسكرية والمدنية الفرنسية. ثم ان هذا الحادث: حادث محاولة الاغتيال اكتسى في نظري كمواطن عربي اهمية فريدة، حيث ان المواطن الذي انقذ حياة الرئيس جاك شيراك هو عربي مسلم. واعترف له الرئيس شيراك بالفضل فاتصل به هاتفيا في الليلة نفسها وشكر له صنيعه وعبر له عن تقديره الشخصي وتقدير الدولة الفرنسية، كما ان وزير الداخلية والأمن نيكولا ساركوزي استقبله مع الرجلين الآخرين، وأكد لهم جميعا عرفان الجمهورية الفرنسية بذلك السلوك المدني المسئول. اما السبب الثالث لرجوعي لهذا الموضوع فهو ان الاعلام الفرنسي المرئي والمكتوب والمسموع انقسم الى قسمين كبيرين: قسم موضوعي منصف استعرض شجاعة محمد الشلاتي وزميليه وذكره باسمه العربي المسلم ونشر صورته وأجرى معه حديثا تلفزيونيا... وقسم أهمل عن قصد ذكر الاسم الذي هو (محمد) واشار الى الرجل بعبارة: مواطن كندي فرنسي. ويشعر الملاحظ لاتجاهات الاعلام الفرنسي ـ والأوروبي عامة ـ والغربي بصورة اشمل اننا بإزاء نزعتين: الاولى نزعة مهنية صرف تشرف هذا الاعلام وتجعله ينقل الحدث بصدقية احترافية، والثانية نزعة يمكن تسميتها بالايديولوجية لا تزال تحتاط في الاعتراف بحق العربي المسلم في احتلال منزلته الطبيعية في المجتمعات الغربية الأوروبية ذات الاغلبية المسيحية. وهذه النزعة الاعلامية يغذيها اليمين العنصري المتطرف، ومع الأسف بعض الأبروقة (جمع رواق بمعنى لوبي) الصهيونية المتنفذة في الاعلام ومصادر تمويله. ان محمد الشلاتي شرف العرب والمسلمين بسلوكه الشجاع، وهو أعطانا ـ نحن العرب المقيمين في الاتحاد الأوروبي ـ سببا من أسباب الاعتزاز والفخر ومقاومة النزعات العنصرية المريضة. وهو رجل قام بحركة سماها هو نفسه في لقاء تلفزيوني حركة طبيعية يميلها دينه وأخلاقه، بدون اي تردد وبدون أية حسابات. وقد شعرنا بالمأزق الذي وقعت فيه وسائل الاعلام اليمينية المعادية للعرب، وكذلك بالمأزق الاكبر الذي وقعت فيه تلك الحركات المتحاملة على العرب والاسلام، وهي ترى ان الذي انقذ الرئيس شيراك هو محمد.