نعم. يسألونك وسط وقائع احتفالات تشهدها بقاع شتى من وطن العرب الكبير: ـ لماذا الدفاع عن جمال عبدالناصر؟ ويعلم الله ان الاجابة البديهية والمنطقية هي: نحن لا ندافع عن عبدالناصر ـ الفرد البشر الانسان.. ولكننا ندافع عن عبدالناصر ـ المعنى والقيمة والرمز. وكم صدقت كلمات كتبها الاستاذ حسنين هيكل منذ سنوات طويلة ان عبدالناصر وقد انتقل الى دار البقاء أصبح حسابه ـ رحمه الله ـ عند ربه وأصبح تاريخه هو شاهده. ونحن بدورنا نؤكد على هذا المعنى حين نقول ان «ناصر» وقد رحل عن دنيا الاحياء لم يعد يضيره قدح أو هجوم أو حتى تهجم أو افتراء.. ولا عاد يفيده في موازين السلب أو الايجاب مدح المادحين أو قصائد الثناء أو اهازيج المعجبين. إن حياة الفرد ملك لخالقه يستردها، وقت يشاء.. ودور الفرد محدود بحياته.. وانما يبقى الدور اللأمة.. وأعظم مايمكن أن يمثله الفرد هو أن يكون تعبيرا عن آمال أمته في مرحلة من مراحل تاريخها. وبالمناسبة.. تلك كلمات ومعان رددها عبدالناصر نفسه في مناسبات شتى وقت أن كان يملأ الدنيا ويشغل الناس على طول عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. دلالة الرمز مرة أخرى فالفيصل هو دلالة الرمز والمحور هنا هو مجموعة ـ منظومة القيم التي جاهد جمال عبدالناصر أو اجتهد لكي يكون معبرا عنها أو يكون تجسيدا لها. ولقد عمدنا الى استخدام مصطلح «اجتهد» بمعنى محاولة الفهم ومحاولة السعي ومحاولة التصدي للمشاكل والقضايا التي عرضت لأمة العرب منذ منتصف القرن الماضي واعترضت مسيرها نحو تحقيق ما كانت تصبو ـ بل ومابرحت حتى تصبو اليه ـ من أهداف التحرر السياسي والعدل الاجتماعي ووحدة الشتات القومي. وبديهي ان الاجتهاد هو كسب انساني وشأن بشري يخطئ فيه الناس بقدر ما يصيبون.. وقد كان عبدالناصر بشرا يصيب ويخطئ.. ينطلق ويتعثر.. وسيظل انبل ما في سيرته هو جسارة الخطو على طرق غير ممهدة وشجاعة التصدي لتحديات فوق تخوم لم يطرقها أحد قبله، فما بالك وقد كان يقود سفينته وسط عواصف وانواء وفي عصر التحولات الكبرى التي جاء بها زمنه ـ منتصف القرن.. فترة مابعد الحرب الكونية الثانية.. وقتها كان ناصر شابا لما يجاوز الرابعة والثلاثين.. عمل على تثقيف نفسه، أي نعم، لكن تولى دفة السفينة في بحر السياسة القطرية والاقليمية والدولية المضطرب بعمالقة الحيتان. ـ ماذا يبقى من الثورة؟ وقد يسألونك بعد انقضاء نصف قرن على بدء تجربة عبدالناصر وفي غمار احتفالات نصبوها تحت شعار العيد ـ لا نقول اليوبيل الذهبي لثورة 23 يوليو: ـ فما الذي بقى من الثورة؟ والثورة ليست مجرد تركة تنتقل بقوانين الأيلولة كي يرثها جيل عن جيل.. انها في تصورنا تحرك تاريخي يتغير به مسار أمة أو شعب، ويتخذ هذا التحرك أشكالا عدة وصورا وأساليب بل ومسميات مختلفة بحكم اختلاف مراحل الزمن وجريا على سنن التطور والصيرورة التي تخضع لها حياة البشر. وهكذا كانت ثورة عبدالناصر التي بدأت تغييرا على سطح أو فلنقل عند قوة هرم السلطة في مصر بالذات، صبيحة الاربعاء الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 وكانت عبارة عن انقلاب بادرت فيه مجموعة محدودة من شباب العسكريين الوطنيين الى استلام قيادة الجيش المصري، فكان ان انتزعت بذلك ادارة البطش الجوهرية من يد أركان الثالوث الذي كان حاكما بل ومتحكما في ذلك اليوم في مقاليد البلاد، مجسدا في تحالف قصر عابدين «الأسرة الحاكمة الالبانية الأصل» وقصر الدوبارة «دار الاحتلال البريطاني المسنودة يومها بأكثر من 70 ألف جندي في القاعدة الاستعمارية على طول قناة السويس» ثم مجمع قصور وسرايات وابعاديات وضياع الباشاوات وقد شكلوا فيما بينهم نحوا من 16 أسرة قد يقل العدد أو يزيد ظلت تتداول فيما بينها ـ مع فضلة من الحواشي والأزلام والأعوان والاتباع ـ حكم مصر على امتداد جيل كامل من عمر النصف الأول من القرن الماضي وبالتحديد بين عامي 1923 ـ اعلان الاستقلال السياسي المنقوص والمشروط و1952 الذي شهد في مداه القائظ ـ كما تعلم ـ اذاعة البيان رقم واحد بوصفه الشرارة الأولى لتغيير لم يكن أحد ليعرف حجمه ومداه وآفاق تطوره في حكم منطقة الشمال من وادي النيل. انقلاب محمد نجيب وعندنا ان 23 يوليو ظلت محصورة في مفردات الانقلاب الذي تحول من العسكري الى السياسي، ودام هذا الانحصار نحوا من 20 شهراً حتى مارس عام 1954. صحيح أن مفجري هذا الحدث أعلنوا عن 6 مبادئ عمومية فضفاضة تحدثت عن مجابهة الاقطاع والرأسمالي المستغل وعن عدالة اجتماعية، الا ان هذه الاحاديث كانت موضوعيا اصداء سبق وان ترددت عبر الغضب والانتفاضات والتقلصات بل والتشنجات التي انتابت جسد المجتمع المصري منذ ان وضعت الحرب الثانية أوزارها، وبالتحديد الفترة الفاصلة بين عامي 1946 و1952. وصحيح ان أصحاب 23 يوليو اعلنوا تطبيق قانون الاصلاح الزراعي 48 يوماً بعد من اعلان بيانهم رقم واحد «في 9 سبتمبر 1952 انه يلاحظ ان القانون حمل عنوانا تحديد الملكية «بكسر الميم» وجاء بدوره صدى لاجراءات سبق تناولها وطرحها بصورة أو بغيرها في اقطار أخرى في اميركا اللاتينية والوسطى بل وفي ايران ـ الشاه «تحت شعار ثورة بيضاء» بل ودعا اليها محللون اميركيون لزوم امتصاص نقمة الجماهير ازاء أركان النظام القديم الذي كان سائدا في منطقة الشرق الأوسط ـ نظام الاقطاع العشائري الذي ارتبط بتحالف الباشوات مع قوى الامبريالية العتيدة كما يسميها العلامة الراحل جمال حمدان وهي الاستعمار الانجليزي والفرنسي ـ فضلا عن أن الدعوة الى تحديد ملكية الاراضي الزراعية في مصر سبقت اليها أقلام وكتابات وطنية داخل برلمان العهد الملكي القديم أو في سطور كتب صدرت تدعوه الى التغيير وتنذر من مغبة الامعان في تحدي سفن التطور وفي تجاهل معاناة أصحاب الجلاليب الزرقاء من جماهير الفلاحين «هنا ترددت اسماء محمد خطاب بك الذي دعا الى تحديد ـ بمعنى تحجيم ملكية الأرض في مجلس الشيوخ بالمعهد الملكي والدكتور ابراهيم مدكور وزميلة الاستاذ مريت غالي وقد اصدرا كتابات رائدة ورصينة في اطار هذه الدعوة دون ان تلقى هذه الأصوات الوطنية آذانا تصغي ولا عقول تتدبر عواقب الأمور». مرحلة الغزل الاميركاني لا نتردد عن أن نطلق على مرحلة الاشهر العشرين ـ الانقلابية هذه مرحلة الغزل مع اميركا: كانت الولايات المتحدة قد دخلت لتوها الى مسرح السياسة الدولية.. انتصرت في الحرب العالمية وخرجت بغير جراح اثخنت بها كما هو حال جميع حلفائها الذين خاضوا معا معاركها ضد المنافس النازي في نظام هتلر الالماني.. ثم ان خروجها أو فلنقل دخولها الى المسرح المذكور واكبته تطورات فكرية وتقنية جذرية كان على رأسها ظهور واشتداد ساعد ميديا التليفزيون ثم نشوء ومن ثم نضوج هذه الحزمة العجيبة من التخصصات التي شهدت أواخر الاربعينيات انفصالها عن علوم السوسيولوجيا والدلالة اللغوية وهندسة اللاسلكي فضلا عن العلوم السيكلوجية والسلوكية ـ وهي الحزمة التي مالبثت ان حملت اسم علوم الاتصال الجماهيري او دراسات الاعلام وكان مهدها الاثير أو حاضنتها الرؤوم هي جامعات اميركا ومعاهدها ومراكزها فيما كانت حلبة الممارسة المفضلة لها هي الميديا الاميركية ومؤسساتها وامكاناتها التي مهدت هذه الحلبة مسلحة بإمكانات طائلة وموارد بشرية ومادية لاسبيل لمنافستها فضلا عن استنادها الى تراث كان عمره وقتها نحوا من نصف قرن وهو تراث الابهار والتخييل وتجسيد الوهم الجميل في عاصمة الانتاج السينمائي في هوليوود. ناصر وفلسفة الثورة لكن شهر العسل بين اميركا وضباط مصر الاحرار مالبث ان انتهى مع انتهاء مرحلة الحركة المباركة أو الانقلاب العسكري التي انتهت بانتهاء ـ أو بالادق انهاء ولاية اللواء محمد نجيب، وبعدها تجلى البعد الحقيقي للقضية مجسدا في تأكيد ان الذي حدث يوم 23 يوليو هو ثورة وليس مجرد فعل انقلابي قام به ضباط شباب متحمسون على غرار انقلاب الخونتا ـ العصبة العسكرية في اميركا اللاتينية.. واذا كان الدكتور طه حسين هو الذي اضفى على هذا الفعل وصف «الثورة» فقد عمد القائد الحقيقي لها وهو عبدالناصر الى اصدار كتاب أو بالأدق كتيب يؤكد هذا الاتجاه في وضوح شديد ناجز وباتر على طريقة ضابط الأركان.. ولم يكن صدفة أن يحمل الكتاب عنوانه الذي أصبح معروفا وان كان العنوان جديدا كل الجدة على افهام الساسة منذ 50 عاما ـ وهو: «فلسفة الثورة». وعلى طريقة ضابط الأركان أيضا بادر صاحب الكتاب الى القيام بما وصفه بأنه دورية استطلاع أو استكشاف لأحوال مصر والمنطقة ـ الظروف الاقليمية المحيطة بها وكان تفكيره منطلقا في رأينا من تفاعل الجغرافيا مع التاريخ.. ومن ثم توصل كما هو معروف ـ الى رسم الدوائر المتداخلة الثلاث لدور مصر - التفاعلي وليس الزعامي كما اكد عبدالناصر في الكتاب نفسه وهي الدائرة العربية ثم الدائرة الافريقية والدائرة الاسلامية اصبح هذا الكلام بلا شك بديهيا في زماننا، لكنه منذ 50 عاما حتى لا ننسى كان مهما وتأسيسيا لتحديد مسار هذا الفعل التاريخي الذي اجترحه عبدالناصر ورفاقه. دوائر الكفاح متداخلة مع ذلك فالمطلوب هو معاودة التأمل مع زمننا الراهن في حقيقة هذا التداخل ـ من خلال منطور الدوائر الثلاث ـ بين جبهات النضال العربي والافريقي والاسلامي. وليس صدفة مثل ان يكتب المفكر الأميركي، اليهودي نعوم شومسكي في أحدث كتاب صادر عن انتفاضة الأقصى موضحا ان الغرب قرر تدمير عبدالناصر في يونيو 1967 لسبب محوري هو انه قاد مصر الى حيث انتمائها الى الأمة العربية رافعا بذلك اعلام الوجود القومي العربي. وليس صدفة ايضا ان يكتب مفكر سوداني عروبي هو الدكتور بشير البكري «الاهرام 21/7/2002». ليصف المشهد التاريخي الذي كان البروفيسور البكري طرفا فيه ـ مشهد عبدالناصر في باكورة اجتماعات منظمة الوحدة الأفريقية في أديس ابابا عام 1963 ليطالب بان تكون اللغة العربية واحدة من لغات العمل بالمنظمة الافريقية الجديدة «الى جانب الانجليزية والفرنسية ـ وربما الاسبانية» وفي هذا السياق يضيف بشير البكري قائلا: -وقفت كل الجموع في قاعة افريقيا وكنت حاضرا حينذاك واجبرت الوفود الرسمية على الموافقة بالاجماع على هذا القرار التاريخي وهو القرار الأول في «الفضاء العربي الافريقي». والذي لم يقله الدكتور بشير البكري هو ان عبدالناصر كان يحمل على كاهله قضية شعبنا في فلسطين بل وقضية الحرية والاستقلال في الوطن العربي الى كل المؤتمرات التي كانت تعقدها القارة الافريقية ودولها حديثة الاستقلال.. ولم يكن الامر سهلا ولا كان الطريق ممهدا في ضوء شكوك ظل الاستعمار يزرعها ويشوه فيها حقائق التاريخ ليقسم افريقيا الى شمال عربي ـ اسلامي والى افريقيا جنوبي الصحراء «السوداء أو الزنجية أو افريقيا الحقيقية» وساعد عرب الشمال من مصر الى الاطلسي على استمرار هذه المؤامرة الامبريالية جهلا بافريقيا أو تجاهلا لها «حاول مثلا ان تتأمل صورة افريقيا أو سكانها جنوبي الصحراء في افلام الأبيض والأسود المصرية القديمة.. ستجدها صورة احراش وغابات وحيوانات وزنوج مستورين بالكاد لا يفعلون شيئا سوى الرقص بالحراب على ايقاع طبول بدائية وسوف تلاحظ في ادبيات الفترة السابقة على عبدالناصر سيادة تعبير «مجاهل» مرادفا لاي سياق يتطرق الى «أفريقيا». دور الازهر بافريقيا من ناحية اخرى لم يفت باحثاً غربياً اخر هو فاتكيوتس ـ الاستاذ في مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن ـ ان يلاحظ في كتابه عن «السياسة العربية والاقليمية في الشرق الأوسط» كيف ان عبدالناصر جهد في انشاء جسور بين الدائرة العربية والدائرة الافريقية من خلال اكتمال العلاقة مع الدائرة الثالثة التي تحدث عنها في فلسفة الثورة ـ دائرة الاسلام طبعا فاتكيوتس لم يكن سعيدا بهذه الخطوة الناصرية ـ لكنه عمد الى رصدها في كتابه المذكور حين لاحظ ان ناصر دخل الى افريقيا «السوداء» من بوابة التحرر والاستقلال ولكنه شفع هذه الخطوة برفع لواء الدعوة الاسلامية حين أوفد مبعوثين من الازهر الى افريقيا جنوبي الصحراء يحملون لواء تلك الدعوة وينشرون آفاق التنوير الروحي بين صفوف الملايين من المسلمين في تلك الاصقاع والأمصار. وفيما كان عام 1961 هو عام التحولات الكبرى في مجال اعادة هيكلة البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية في الحقبة الناصرية، فقد كان أيضا عام صدور قانون تطوير الازهر «القانون رقم 103 لسنة 1961» الذي اناط بالازهر ـ الجامع والجامعة في بابه الأول مهمة الاهتمام ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية واظهار اثر العرب في تطور الإنسانية وتقدمها. كان عبدالناصر يتابع حركة التبشير الغربية في افريقيا ـ وكان المبشرون ولا يزالون يتوسلون في مهمتهم تلك بأساليب العلاج والمدواة والترفيه والتعليم.. الخ.. وكان الزعيم يحلم بأن يوجد يوما المبشر المسلم.. لا بمعنى التبشير الغربي بل بمعنى الطبيب المسلم والمهندس الزراعي المسلم والمحاسب الدراسي لفقه المعاملات الاسلامية والبيولوجي أو الجيولوجي من خريجي الازهر الشريف.. الخ. والمهم انه استعان بالجامعة الاسلامية العريقة لدعم دعوته الى تحرير افريقيا من نير الاستعمار.. بقدر مااستعان بحركة التضامن الافريقي لمؤازرة قضايا العرب وفي مقدمتها قضية فلسطين. رحل الفرد وبقى الرمز هكذ تداخلت بحق دوائر الكفاح الثلاث. ومن أجلها بذل الرجل من رحيق الشباب زهرة العمر واكسير الصحة الكثير والكثير. ونحسب ان هذا هو الذي يبقى منه كرمز وليس كفرد. وعندما ندافع عن استمرار هذا التفاعل الخلاق على جبهات النضال الثلاث فإنما ندافع عن قضايا امتنا ومستقبل شعوبها قبل ان ندافع عن ذلك الشهاب الذي برق في حياة الأمة واستأثر بحبها عبر السدود والحدود.. وكان أمينا حين اخطأ وباهرا حين اصاب.. كان اسمه جمال عبدالناصر. ـ كاتب سياسي من مصر