لا يستطيع كل من تابع حلقة يوم الاثنين الماضي من برنامج «لمسات بيانية» الذي تعرضه قناة الشارقة الفضائية ويعده ويقدمه في الفترة الحالية د. حسام سعيد النعيمي، ويشاركه في التقديم احمد الزاهد إلا ان يبدي اعجابه الشديد لذلك الطرح العلمي الرصين الذي امتعنا به د.حسام النعيمي، استاذ الدراسات اللغوية بجامعة الشارقة، حول اللمسات البيانية في الالفاظ والكلمات التي حواها الكتاب الكريم. وقبل ان اعطي بعض الاضاءات التي استقرت في حيز متقدم من الذاكرة، اشيد بداية بفكرة البرنامج الذي انطلق في بداية الدورة الصيفية على يد الدكتور فاضل السامرائي الاستاذ بجامعة الشارقة، فالفكرة التي قام عليها البرنامج هي اعطاء البعد اللغوي والدلالات البيانية، وايحاءات الالفاظ ومعانيها شيئاً من الاهتمام في خارطة البرامج الثقافية. التي تتصدى قناة الشارقة الفضائية لتقديمها للجمهور. وبهذا الهدف الذي تحمله فكرة البرنامج تكون هذه الفضائية العربية قد استلمت المبادرة في جانب احياء العلاقة الجماهيرية بهذه اللغة الشاملة، وانعاش الذائقة اللغوية التي انخفضت الى حد لا يمكن السكوت عنه او تجاهله بأية حال. ولقد جاءت هذه الفكرة لتكون محاولة جادة وعميقة لانقاذ ما تبقى من معلومات اولية تقبع في مكان ما من العقل العربي، وتعاني من عدم التداول والتطوير، لذلك فان الاسراع في رأب هذا الصدع الآيل للسقوط يستحق من شريحة المتلقين لهذه الخدمة الاعلامية الفائقة الجودة كل ترحيب واهتمام. لقد كان للدكتور «فاضل السامرائي» شرف المبادرة في القاء حجر في الماء الراكد الذي يحيط بالاجواء العامة للفضائيات العربية، التي شن بعض رموزها الاعلاميين، وبعض مذيعيها ومذيعاتها هجوماً مضاداً على لغة الضاد، فاعلنوها دعوة الى العامية، لا عن طريق الطلب المباشر وانما عن طريق الاستخدام والمشافهة، فبتنا نسمع من غريب اللهجات ما اثار التقزز لدى الكثير من المشاهدين الذين رأوا ان الميوعة والاساءة الى الرسالة الاعلامية صاحبت ذلك المط غير المألوف، والحذلقة المتكلفة في اخراج الكلمات على طريقة هؤلاء المذيعات، اللواتي بات فهم كلامهن يحتاج الى مترجم لغوي ييسر الامر على المشاهد الحائر بين بهرجة الشكل وحذلقة اللسان!! اضف الى جلال المبادأة التي تقدم بها د.فاضل معنى آخر على الغاية من القيمة والاهمية وهو محاولة علماء اللغة التقدم نحو تبديد الغيوم السوداء من سماء اللغة العربية. وهي محاولة اراها جاءت متأخرة من جهة، واراها كذلك تحمل روح صاحبها ومن سار معه في البرنامج دون ان تكون اشارة على تقدم اساتذة اللغة العربية من جامعاتنا المختلفة لاستلام دورهم المرتقب في صياغة العقلية العربية صياغة تتناسب مع الدور الخطير الذي تلعبه لغة العرب في حياة ابنائها... انه لمن المؤلم حقا الا نرى امثال د. فاضل السامرائي، او د. حسام النعيمي يتقدمون في هذا الاتجاه الايجابي المطلوب. حيث ان التخندق والتمترس وراء الجامعات لن يقدم للمجتمع الخدمة المطلوبة التي باتت امانة في اعناق اساتذة اللغة العربية. والبقاء خلف المنصة التعليمية ـ على جلال الدور الذي يضطلعون به ـ لن يصنع من جديد اتباعا للغة العربية يحمونها من شراك اعدائها، وينفسون عنها كل ذلك الاحتقان الذي يحيط بكيانها الذي ينبغي ان يصان من ان تزاحمه لغات اخرى لن تقدر يوماً على ان توازي لغتنا العظيمة، قدراً وجلالا وألقا، وفاعلية في استيعاب مفردات العلوم، ومضامين المعرفة، ومن تذليل كافة العقبات امام اتباعها الذين يبحثون بدورهم عن مكان لهم تحت ضوء الشمس!! ولان الوقت لا يجري في صالحنا، فان تفعيل دور اساتذة اللغة العربية خارج اسوار الجامعة، والتقاءهم مباشرة مع الجماهير العربية ليخرجوا لنا من كنانتهم ما يعيد التوازن الى الشخصية العربية التي باتت تترنح تحت الضربات المتتابعة التي تستقبلها من الابواق الاعلامية ذات التوجه السلبي، والهدف التخريبي لكل حالة صلة بالهوية او الجذور. كما ان تفاعل الجمهور مع هذه البرامج سوف يرفع درجة الحماس لدى الاستاذ المتخصص الذي كثيراً ما يتراجع عن افكاره في هذا الاتجاه خشية جفاء الجمهور، وقلة احتفائه بالبضاعة التي يملكها. لقد قال الجمهور كلمته من خلال التفاعل الملحوظ مع برنامج «لمسات بيانية» واكد ذلك الجمهور انه في اشد حالات الظمأ الى ارتشاف المعرفة اللغوية من كأس عالم متعمق في بحر اللغة السخية التي ترحب دائماً بقاصديها، وتنزلهم منازل العزة والمجد اذا ما اثبتوا انهم ابناؤها المخلصون.