عندما أعلن «داروين» عن نظريته التي تدعي ان الانسان اصله ـ ولا مؤاخذة ـ قرد، أثار ضجة كبيرة وهاجمه الكثيرون معترضين، بعضهم بدافع ديني يرفض اهانة الانسان ، الذي كرمه الله وفضله على باقي المخلوقات، وبعضهم بدافع شخصي بحت، ربما لاحساسهم الذاتي بأن في داخلهم فعلا قرداً تخفى تحت جلودهم، ومن ثم راحوا يدققون النظر في المرآة بحثاً عن آثار ذيل انقرض مع الايام وخشية ان يكون ما قد تبقى من آثار هذا الذيل قد عاد للنمو من جديد..! مرت سنوات وسنوات، راح «داروين» واختفت معه نظريته التي رفضها الجميع تقريبا، لكن.. ومع نهايات القرن الماضي وبدايات القرن الجديد بدت مؤشرات عديدة جعلت الكثيرين يفتحون ملفات «داروين»، ويعيدون تقييم نظريته من جديد على ضوء ما جرى ويجري في السنوات الاخيرة، حيث بدأ الفارق بين بعض من ينتمون الى جنس البشر وبين القردة يتقلص ولم يعد الذيل هو المؤشر الوحيد لانتماء الانسان الى فصائل القرود، فالكثير من صفات وعادات القرود كشفت ان العديد من احفاد القرود يعيشون بيننا بل ويقودون مسيرتنا تحت غطاء آدمي خادع، غير مدركين انكشاف امرهم وافتضاح اصلهم دون حاجة الى البحث عن آثار ذيولهم المنقرضة..! بعض هؤلاء لا يحتاج اكتشافهم الى جهد كبير او فحوص علمية، فهم يعلنون عن انفسهم بأنفسهم، ويؤكدون اصولهم القرودية على الملأ، فلا اظن ان «بني آدم» حقيقي ينتمي نسبة الى السيد آدم والسيدة حواء يستطيع ان يتقافز بخفة قرد محترف كما يتنطط مطربو هذه الايام على مسارح المنوعات وفي «الفيديو كليبات» على شاشات التلفزيون..، ولا اظن ان واحدة من بنات حواء تفخر بانتسابها الى بابا آدم وماما حواء تجرؤ على التشبه بقرد او قردة غير محترمة حين لا يخجل اي منهما من السير والحركة بمؤخرته «غير المحترمة ايضا» مكشوفة للعيان، وهي مؤخرة انفرد بها القرود دون باقي الحيوانات، ولا تستطيع الاقتداء بها إلا من كانت تنتسب.. ولو من بعيد.. الى عرق قرودي قديم تطور مع الايام واختلط ببنى الانسان جيلاً بعد جيل حتى حسبوه واحدا.. أو واحدة.. منهم..! شكلا.. وبصورة علنية.. ودون اي مواربة كشف هؤلاء القروديون، ابناء نظرية «داروين»، عن اصولهم، ولم يعد من الصعب تمييزهم وفرزهم عن بني الانسان، ولكن المشكلة تبدو اعقد واصعب حين تختفي مظاهر الانتماء الى عالم القرود وتصبح الطبائع والتصرفات هي المؤشرات الحقيقية لكشف اصحاب الذيول القرودية المنقرضة! واذا عرفنا ان «التقليد» هو ابرز طبيعة من طبائع القرود، وانها طبيعة فطرية لا يستطيع القرد «أو القردة» ـ حتى لو اراد ـ ان يتخلص منها لأدركنا كم القردة التي تعيش بيننا على اعتبار انها من بني الانسان، والتي نعايشها ونتعامل معها دون ان ندري انها من بني القرود..! فلا يمكن ان نصدق او يصدق احد ان هؤلاء «وهؤلات» الذين واللاتي يضعون غمامة على عقولهم وعلى آدميتهم ويتنافسون تنافس القردة «الاصائل» على تقليد كل ما يشاهدونه او يسمعون عنه من أزياء وصرعات وتسريحات وحركات تأتي الينا «اقصد اليهم» عبر الفضائيات والصحف والافلام كل يوم، والذين يعتبرون تخلفهم عن الطاعة العمياء لكل امر دولي بهذا البنطلون او ذاك ال«تي شيرت» عاراً لا يمحى وذنبا لا يغتفر، وهي أوامر وتعليمات صارمة لا تقبل مناقشة ولا يملك شباب القردة امامها إلا الطاعة.. والطاعة العمياء بالذات، وهي عمياء لانها لو سمحت لاصحابها برؤية انفسهم في مرآة الناس لانكسفوا على دمهم ولبذلوا كل المحاولات لاجراء عمليات جراحية تحولهم من عالم القردة الى عالم البشر..! عالم قرود البشر يمتد ايضا الى عالم السياسة، فالكثير من القادة والمسئولين انكشف امرهم وافتضح انتماؤهم وراثيا الى فصائل قرودية نادرة كانت ـ هي الاخرى ـ تتزعم عالم القردة في غابر الازمان، واذا كان مطربو اليوم قد ورثوا عن اجدادهم القرود طبيعة القفز والتنطيط، وكان عالم الشباب قد ورثوا عن اصولهم القرودية طبيعة التقليد الاعمى، فإن القادة والزعماء وجدوا الفرصة سانحة للدخول الى دنيا القردة في وجود «القرداتي» الاميركي الكبير بطبلته الشهيرة التي يدق عليها مردداً «العب ياميمون»، فيلعب هذا الميمون «الذي يحمل لقب صاحب الفخامة دوليا» راقصا.. او راقدا.. او منقلبا..، تبعا لتعليمات القرداتي، محاولا قدر طاقته الالتزام بتعليمات صاحبه خوفاً من العقاب الصارم فيما لو اخطأ او تمرد.. أو فكر يوما في العودة الى عالم البشر، ناسياً او متناسياً انه دخل عالم القرود من اوسع ابوابه، وانه لو انتبه لنفسه لحظة امام اي مرآة للاحظ ان ذيله المنقرض قد عاد للنمو من جديد، وان الناس يعرفون ذلك ويشاهدونه وانه الوحيد الذي لم يدرك ولم ينتبه لهذا التطور لانشغاله بمتابعة سيده القرداتي حتى لا يغضب منه او عليه!! الخلاف الوحيد حول نظرية «داروين» وعودتها للظهور من جديد، هو حول ما اذا كان ما يحدث الآن هو تأكيد لفكرة ان انسان اليوم كان قرداً ثم تحول الى انسان، ام ان انسان اليوم كان ومازال انساناً ولكن البعض من بني الانسان اختاروا لانفسهم ـ وبمحض اختيارهم ـ التحول الى قرد، ليؤكد ان القرد اصله انسان.. وليس العكس كما تصور السيد «داروين»..!