زيارة طبيب الاسنان امر من الامور الثقيلة على نفوس كثير من الناس ومن الامور ما هو اكره من ذلك اي اكثر كراهة عند كثير من الناس، وليس الاطفال فقط من زيارة طبيب الاسنان، ذلك هو الاستماع الى حديث عن التنمية أو قراءة كتاب عنها والسبب هو ان اكثر كتب التنمية في الحقيقة يكتبها مختصون في التنمية ليقرأها مختصون آخرون وهي كتب تكون عادة مليئة بالارقام والجداول والاحصائيات التي تعتبر عند كثير من الناس رموزا ثقيلة على نفس الانسان العادي. فمن ذا الذي فكر يوما ما ان يكتب للناس كتابا انيقا جميلا لا يشبه البحوث التي يقدمها طلاب كليات الاقتصاد. لقد فكر في ذلك وفعله استاذ كان يدرس شيئا ما عن التنمية عندما كان مدرسا في الجامعة ولقد ازداد اصراره على كتابة ذلك الكتاب عندما تولى احدى مهام التنمية في المجتمع بعد ان صار في بلده وزيرا. «غازي القصيبي» غازي القصيبي لمن لا يعرفه استاذ شاعر سعودي لا يحمل درجة الدكتوراه في الشعر لان الشعر لا يحتاج الى درجة دكتوراه لانه موهبة فذة لا تعلم ولكنها موهبة تحتاج الى صقل بالثقافة والعلم. وغازي القصيبي اظنه من القلائل الذين فكروا في الكتابة في مواضيع جادة ثقيلة على نفوس الناس ولكن بأسلوب بعيد عن اسلوب المتخصصين من الاقتصاديين لذلك كتب ذلك الكتيب الصغير الذي اسماه «التنمية الاسئلة الكبرى». وقدم القصيبي لكتابه ذلك بمقولات منها قوله «لقد اصبح من المقولات الشائعة التي جرت مجرى الامثال القول بأن الانسان هو جوهر التنمية ومحورها وهدفها». قال القصيبي ان احدا لا يستطيع ان يصبح جوهر شيء ما او محوره او هدفه اذا كان هذا بالنسبة اليه غامضا غائما اشبه ما يكون بالالغاز او الاحاجي. «محاولة» ولقد تساءلت كثيرا هل يجب علينا ان نجعل من كل شيء يكون الانسان محوره هل يجب ان نجعله واضحا مفهوما مقبولا لدى الانسان؟. ولما رجعت الى مقارنة القصيبي للكتابة عن التنمية وقراءة الناس كتابا عنها بزيارة طبيب الاسنان فهمت الامر وعرفت ان اكثرنا لا يحب زيارة طبيب الاسنان لانه لا يدرك اهميتها ولا يعرف ضرورتها كذلك التنمية التي لن يعمل الانسان على ادارة آلياتها اذا لم يفهمها بل يفهم ضرورتها. يقول القصيبي عن كتابه عن التنمية انه محاولة لوضع الانسان في مكانه من الصورة اي ان يجعل الانسان يفهم معنى التنمية وبالتالي يتبناها ويعمل من اجلها فينمو المجتمع. ويعجبني في غازي القصيبي انه ومن خلال التسع صفحات الاولى كان كاتبا متواضعا غير مدع، نزيها جدا فهو منذ البداية اهدى كتابه هذا الى كل من كان حوله من الزملاء الذين عملوا معه حين كان مدرسا في الجامعة ثم حين اصبح عميدا لكلية من كليات الجامعة ثم حين صار وزيرا للصناعة والكهرباء ثم لما كان وزيرا للصحة. وهو منذ البداية سمى كتابه هذا محاولة واعترف بأن دوره في هذا الكتاب كاد ينحصر في الانتقاء والتجميع يعني انتقاء الآراء من البحوث والدراسات وتجميعها في نموذج نظري يسهل ولا يعقد. «الاسئلة الاربعة» لماذا ننمي؟ لمن ننمي؟ ماذا ننمي؟ كيف ننمي؟ تلك هي الاسئلة الكبرى او الامتحان الرباعي كما سماه القصيبي للدخول على التنمية وانها في الحقيقة تلخيص موجز جدا يضع الانسان العادي فعلا في الصورة لو وجد الاجابة عليها بأسلوب بسيط، لذلك قسم القصيبي كتابه ذلك الى فصول، اربعة منها تجيب على هذه الاسئلة الاربعة، والخامس اسماه التنمية المفتاح السري. ولقد حاول القصيبي ان يربط باشارات الى ان الاسلام هو اساس كل تنمية فقدم لكل فصل بآيه كالتالي: «لماذا» «ولقد كرمنا بني آدم» تحت هذه الاية الشعار تكلم عن لماذا تكون التنمية فقال في اخر الكلام اننا ننمي لان التخلف ليس قدر الانسان، قدره الحياة الكريمة. «لمن» لمن ننمي يقول القصيبي قد يبدو هذا سؤالا أبسط من ان نقف عنده، ذلك ان الجواب البديهي هو اننا ننمي لصالح اكبر عدد ممكن من المواطنين الا ان البديهات لم تكن عبر التاريخ اول ما تبادر الى الذهن البشري عند ارتطامه بمشكلة من المشاكل، خاصة عندما يكون الجواب الصحيح معتمدا على المصالح السياسية لا على الحقائق المجردة. ماذا ننمي؟ بعد اطروحات سهلة الفهم مما يقوله اهل الاقتصاد يصل القصيبي الى ان التنمية لا يجب ان تكون في قطاع دون الآخر بل يجب ان تكون التنمية في جميع القطاعات التي تؤدي الى اشباع الحاجات الاساسية للانسان. ومن جميل ما قاله القصيبي ان الحاجات الانسانية ليست فقط الحاجات المادية بل هناك حاجات اخرى مهمة ايضا هي تلك الحاجات الغريزية كالامن والكرامة والحرية. وقال «ان الانظمة الشيوعية سقطت لعجزها عن الوفاء بحاجات الانسان الغريزية الى الحرية والكرامة والملكية الخاصة وحقه في ان يعامل كبشر متميز لا مجرد رقم في القطيع». «التخطيط هو التنمية» قد نؤمن بضرورة التنمية ولكن كيف عن هذا السؤال؟ يجيب القصيبي في فصل كتابه الرابع فيقول: الاجابة بصدق هي بأن نخطط، التخطيط ليس ترفا فكريا يزخرف العملية التنموية ويحسنها في عيون الناظرين وليس تقارير تكتب من فراغ وتنتهي في سلة المهملات، التخطيط هو تلك المعاناة اللماحة الذكية اليومية لواقع الوطن وتطلعات المواطنين، المعاناة التي تنزل بتطلعات المواطن الى واقع الوطن وترتفع بواقع الوطن الى تطلعات المواطن. وكلما زادت نقاط التماس بين التطلعات والواقع كلما كان ذلك دليلا على نجاح التخطيط. «الابتكار» يقول القصيبي في اخر كتابه او في الفصل الاخير التنمية المفتاح السحري ان التنمية يجب ألا تكون تقليدا اعمى بل تقليدا مبصرا مستفيدا من تجارب الآخرين مضيفا عليها بذهنية مبتكرة. في الحقيقة، ان كتاب القصيبي «التنمية الاسئلة الكبرى» كتاب صغير في حجمه، كبير في محتواه يقدم مفهوم التنمية بأسلوب لطيف لا تشعر فيه بأن كاتبه باحث اقتصادي لكنه حديث عن التنمية الاقتصادية من رجل يحمل اليك قضية التنمية كمواطن فهم شيئا فأراد ان يوصله الى اخيه المواطن بمحبة وصدق