هناك حقيقة، تؤكدها جميع النظريات الاجتماعية، والتربوية، وهي ان السلوك الانساني تصنعه البيئة، ويصوغه الكم الاعلامي، والمعلوماتي والمدرسي والاسروي الذي يسهم في تكوين هذا السلوك واعداده. فالناس يولدون بالفطرة كالحديد الصاعد من فلزات المنجم، غير ان الايادي المبدعة تحوله الى اصناف وأشكال تتراوح بين الصاروخ والطائرة والدبابة حتى الساعة، والقلادة والمبضع.. وان اطفال الحجارة وشبابها في فلسطين الذين كانوا وقود معركة الانتفاضة الباسلة، لا يخرجون عن مناخ وأجواء هذه القاعدة التي تؤكد تأثير المحيط في تكوين الاجيال وتربيتها وتوجيهها. هؤلاء الاطفال الرجال نضجوا فوق جمر القلق والخوف، وعلى حصير التشرد والاسر، والحرمان، وشهدوا منذ تفتحت عيونهم على هذه الدنيا، ابشع انواع الاستعمار الاستيطاني الذي عرفه العالم، كما ذاقوا مرارة اشنع اشكال التمييز العنصري الصهيوني، اضافة الى ضياع الوطن، والأمن، والكرامة. واذا كان كل فعل يقابله رد فعل، يساويه في القوة، ويعاكسه في الاتجاه، فإن رد الفعل العفوي التلقائي على المأساة الكارثية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ اكثر من اربع وخمسين سنة تجلى في التمرد والرفض، والبحث عن الخلاص في السماء بعدما سدت في وجهه جميع المنافذ والأبواب فوق الارض. فإذا لم يكن لديه رغيف يسد رمقه او بيت يأوي اليه او قبر وكفن يستره يوم تحين الساعة وفي الوقت ذاته يشهد الموت فاغرا فمه، مكشرا عن أنيابه المسمومة، في الطريق، وعلى الحاجز، وفي المدرسة، وسيارة الاسعاف، وفي كل مكان.. فيموت ببطء شديد اكثر من مرة في الساعة الواحدة، فإن الاستعداد للقاء الموت بالطريقة التي يحدد هو زمانها ومكانها وأدواتها يصبح الوسيلة الانجع والطريق الاسرع للوصول عبر الاستشهاد المعجل الى الهدف المؤجل وهو الحياة الابدية خلاصا للروح مما تعاني من الاهانات والاذلال والارهاب المتواصل، واخلاصا للقضية التي نذر نفسه من اجلها وهي التحرير والكرامة. صحيح انه لا يوجد عربي مسلم او مسيحي الا ويدين الارهاب وقتل الاطفال والمدنيين والأبرياء. وصحيح ايضا ان قتل النفس بغير الحق مرفوض ومدان في جميع الشرائع والمعتقدات غير ان ما يجري في فلسطين من جرائم النازية الجديدة والعنصرية الصهيونية الرهيبة قد بدل الكثير من المفاهيم السائدة وغير معظم المعادلات والموازين والقيم الاجتماعية والانسانية لاعتبارات عديدة، منها: 1) ان هذا الاستشهادي ليس يائسا من الحياة او كارها لها، او باحثا وراء خبزها وملحها، لأن بين هؤلاء الشباب من ضحكت له الدنيا ملء فمها، فترك ميسور العيش، ومضمون الدراسة في الجامعة، وامتشق عمره حزاما ناسفا فداء لأهله ووطنه وكرامة شعبه. 2) ان الايمان الراسخ لدى كل عربي عامة، وفلسطيني بخاصة، هو ان فلسطين، كل فلسطين من البحر الى النهر اصبحت مستعمرة صهيونية يفترسها وحوش عنصريون غزاة ويقيمون فوقها مستعمرات، اسموها «مستوطنات» يقطنها جنود مدربون ومدججون صغارا وكبارا، رجالا وأطفالا، ونساء، وشبابا كلهم عسكريون تحت الطلب، ولهذا فإن ضمير المجاهد الاستشهادي في غاية الراحة عندما يطلق رصاصته لانها لن تصيب الا محتلا او مستعمرا وغازيا وقاتلاً او هو في طريقه الى القتل. 3) لقد انتظر الفلسطيني خمسة عقود مناشدا واقفا على المنابر، شاكيا باكيا مطالبا بدءا بالأمم المتحدة ومرورا بحركة عدم الانحياز، خارج الوطن العربي وانتهاء او ابتداء ببيت العرب، الجامعة العربية، فلم يتقدم لعلاج علته، وانقاذه غير الكلام الذي يحذر حينا، ويزرع اليأس والاحباط احيانا (الاستثناء قليل) فاتخذ الاستشهاد سبيلا بعدما قصرت يده عن الوصول لأي نوع من السلاح. فكان الحجر والجسد الفدائي هو السلاح الذي لا ينفد من الازل والى الابد. 4) ان رؤية الحصارات، والاسرى والقتلى في الشوارع والطوابير على المعابر، والحوامل يفتشن عاريات مخافة ان يكون الحبل متفجرات، وهدم البيوت وتدمير المشافي، وسيارات الاسعاف بمن فيها من مرضى، وانسداد الآفاق لأي حل للقضية الاعدل في العالم، كل ذلك يجعل ثقافة الاستشهاد لها الاولوية على جميع الثقافات السائدة في المجتمع الفلسطيني الذي يعاني من القهر والقتل والاذلال الذي لم يشهده شعب على مر التاريخ. 5) ان تجاهل العالم للمأساة الفلسطينية واهمالها الزمن المحسوب من اعمار الاجيال وآمالها، وممارسات العدو الصهيوني وغطرسته، واستخدامه اخطر اسلحة الفتك والموت الاميركية ضد الشعب الفلسطيني صاحب الارض والدار والحق في فلسطين، كل ذلك شكل حافزا ودافعا لتكوين ثقافة الاستشهاد والتي اصبحت من بديهات المدرسة الجهادية في فلسطين. وقد اسهم خطاب الرئيس الاميركي بوش الذي تضمن رؤيته التي انتظرها العالم واقفا على نبضات قلبه طويلا، في تعزيز ثقافة الاستشهاد واعتبارها انجع المفاتيح للأبواب المحكمة الاغلاق في معادلة اللاحرب، واللاسلم في المنطقة... فعندما يمنح الارهابي العالمي شارون جائزة «نوبل» للسلام من البيت الابيض، ويدان الشعب الفلسطيني لانه يقاتل شأن جميع شعوب العالم من اجل ارضه وعرضه، وكرامته، هل ينتظر من شباب فلسطين وأبناء الانتفاضة في الطليعة، ان يلبسوا اكفانهم، ويزحفوا على بطونهم خاضعين طائعين للعدو الصهيوني ام يعمدون لاختصار طريق العمر المعجون بالمرارة والبؤس، والذل، بوقفة عز تلخصه بلحظة تترك دويا يشكل بوصلة للأجيال التي لن يتوقف زحفها الا بالتحرير والعودة؟! ان الاحتلال الصهيوني العنصري هو الذي يصنع ثقافة الاستشهاد ويغذي بركانه المتفجر، وأجياله الصاعدة، بهذا اللون من الثقافة التي ولدت من رحم المعاناة والقهر والارهاب الذي يمارسه العدو الصهيوني. ويقيني ان هذه الثقافة الاستشهادية سوف تتنوع اشكالها، وتتوسع مدارسها، ويزداد مريدوها، وحواريوها كلما ازداد بطش العدو، وغطرسته، وجرائمه في الارض الفلسطينية.. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب