لم تحظ ثورة في التاريخ المعاصر بجدل مثلما حظيت به ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 في مصر.. تلك الثورة التي غيرت أوضاعا كانت تستحق بحق التغيير، نظرا لتردي الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية الى الحد الذي انتشر فيه الفساد بكل صوره، مع تكبيل حرية الشعب المصري نتيجة الاحتلال الجاثم على الوطن لأكثر من سبعين عاما ! ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في البداية: اذن ما السبب لاثارة الجدل حول ثورة جاءت متسقة مع تطور الحركة الوطنية المصرية؟ في تقديري ان مبعث الجدل هو أن الكثيرين اختلفوا على ثلاث سمات مهمة لحركة التغيير في مصر عام 1952: أولاً: ماهية هذه الحركة وهل كانت انقلابا عسكريا نفذته مجموعة من ضباط الجيش أم كانت ثورة شاملة مثلت تحولا جذريا في النظام السياسي المصري؟ ثانيا: بواعث هذه الحركة، بمعنى الأسباب التي أدت الى قيامها بعبارة أخرى علاقتها بحجم المعاناة التي كان يعيشها المصريون آنذاك، وعليه هل كانت ترجمة لأماني وطموحات الجماهير أم لا؟ ثالثا: أهداف هذه الحركة التي من المفترض أنها بمجرد مباركة الجماهير لها تحولت الى حركة تغيير جذرية ذات طابع شعبي شامل، فهل استحقت أن تصبح ثورة حسب المفهوم العلمي المستقر في علم السياسة؟ قبل أن نستمر في التحليل لابد أن نتفق بداية على ماهية ماحدث في 23 يوليو 1952. فلاشك أن الظروف الموضوعية التي أشرنا اليها، ويمكن تلخيصها في استشراء الفساد، هي التي دفعت مجموعة الضباط الأحرار الى القيام بحركتهم التي تميزت:- 1ـ بالشمولية، بمعنى أنها لم تكن تعبر عن قطاع محدد في الشعب المصري فقط وهو الجيش انما ولدت من رحم ارادة الجماهير. 2ـ بالجذرية، بمعنى أنها لم تكن تستهدف التغيير المحدود، انما من خلال أهدافها الستة الشهيرة انطلقت مستهدفة القضاء على الاحتلال وفساد القصر والاقطاع والرأسمالية المستغلة، وبلورت توجهاتها في اقامة مجتمع ديمقراطي وجيش وطني في اطار عدالة اجتماعية شاملة لكل قطاعات المجتمع. 3ـ بالجماهيرية، بمعنى أنها لم تنفصل عن هموم الشعب المصري لأن المجموعة التي قامت بالحركة هم بالأساس أبناء الفلاحين والعمال وطبقة الموظفين الوسطى، ومن ثم اكتسبت على الفور بعدا جماهيريا. 4ـ بالاستمرارية، بمعنى أن حركة الضباط الأحرار لم تقم لكي تحرر البلاد فقط من الاحتلال أو تغير من الأوضاع الفاسدة أو تعدل من توجهات النظام الملكي، انما جاءت لتستمر في انجاز كل مهامها رغم ما قيل أن الضباط الأحرار كانوا ينوون احداث الاصلاح المنشود ثم يعودون الى ثكناتهم. من هنا لايمكن وصف حركة الضباط الأحرار الا بالثورة، خاصة أنها عبر السنوات التالية لقيامها وخلال نصف قرن أضافت للتراث الثوري، اذا جاز هذا التعبير، في عالمنا العربي رصيدا هائلا. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها فان ثورة الثالث والعشرين من يوليو يمكن النظر اليها على أنها «المنبع» لكل حركات التغيير في الأمة العربية، كما أن كثيرا من حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية قد استلهمت من هذه الثورة زخما حفز فيها طاقات التغيير. ورغم كل ما تقدم كان من الطبيعي أن يختلف معها الكثيرون ويمكن تصنيفهم الى فئتين. الفئة الأولى: فريق أضير من ثورة يوليو لأنها قضت على طموحاته وحرمته الامتيازات التي كان يتمتع بها على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويمكن القول أن هذا الفريق يتمثل في كل القوى الاجتماعية المستفيدة من نظام ما قبل 1952 وتحديدا الأقطاع والرأسمالية المستقلة. الفئة الأخرى.. فريق من المثقفين وربما المؤرخين لم ير في ثورة يوليو غير أخطائها التي وقعت فيها عبر مسيرتها، لاسيما في مرحلتي التحرر الوطني في الخمسينيات والتحول الاجتماعي والاقتصادي في الستينيات من القرن الماضي. ويمكن تفسير طبيعة هذا الاختلاف بأنه يعبر عن رؤى أيديولوجية تتمثل تحديدا في الشيوعيين وجماعة الاخوان المسلمين. أما المؤيدون لثورة يوليو فيمكن أيضا تصنيفهم الى فئتين: الفئة الأولى.. الفريق الذي قام بالثورة ومن شهد فترتي ما قبل وما بعد 1952، مع الملاحظة أن بعض المنتمين لتنظيم الضباط الأحرار أبدى تحفظات بعد ذلك على بعض ممارساتها، ونتذكر على سبيل المثال لا الحصر « أزمة مارس 1954» التي شكلت منعطفا مهما في مسار هذه الثورة. الفئة الأخرى.. يمكن القول انها الجيل الذي تربى ونشأ في أحضان ثورة يوليو وحصد انجازاتها خاصة في مجال التنشئة السياسية والاجتماعية.. فلم تعي ذاكرة هذا الجيل غير أحلام الحقبة الناصرية، وفي الوقت نفسه عانى الجيل نفسه من عثرات الثورة خاصة عندما اصطدم بنكسة الخامس من يونيو عام 1967 الأمر الذي أحدث مردودا سلبيا في اطاره المرجعي كرسه رحيل جمال عبد الناصر عام 1970 من جهة ، وفترة عدم الحسم والضبابية الشديدة التي تميزت بها الاعوام السابقة لحرب أكتوبر 1973 من جهة أخرى !! في اعتقادي ان ثورة يوليو كأي حركة تغيير شاملة وجذرية لابد أن يكون معها البعض وضدها البعض الآخر، ويصبح الفيصل في الحكم على هذه الثورة من خلال مدى انحيازها للجماهير أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير، ولذلك عندما أخذت مصر بالاشتراكية كمنهج للحياة الاجتماعية والاقتصادية تم تفسيرها بعبارة أن الاشتراكية هي منع استغلال الانسان لأخيه الانسان، وعندما التزمت الثورة باقامة حياة ديمقراطية سليمة تم تفسير ذلك من خلال صيغة لتحالف قوى الشعب العامل في اطار تقليل الفوارق بين الطبقات. غير أن هذا النهج الذي اعتمد مبدأ الصواب والخطأ تعرض لانتقادات شديدة خاصة بعد رحيل عبد الناصر وانتهاء ما أصطلح على تسميته بالحقبة الناصرية، وتركزت في أن ما سمي بالتطبيق العربي للاشتراكية قد خلق طبقة من المنتفعين أثروا على حساب مبادئ الثورة وفي غياب واضح للمساءلة القانونية، الأمر الذي فسره البعض بأنه كان سببا في انتكاسة يونيو 1967. وعاب البعض على الثورة أنها لم تحقق هدفها الخاص باقامة حياة ديمقراطية سليمة لأن صيغة التحالف لم تكن ديمقراطية. لكن الانجاز الذي لايمكن اغفاله لثورة يوليو أنها تعدت الحدود وكانت ثورة قومية تبنت الطموحات والاحلام العربية، وخرجت دائرة تأثيرها الى دوائر اقليمية ودولية متمثلة في العالمين العربي والاسلامي ودول الجنوب في أفريقيا وأسيا وأميركا اللاتينية. كما أن وجود اسرائيل ككيان دخيل في المنطقة قد جعل ثورة يوليو من يومها الأول ترفض الفكر الانعزالي وجعلت من الصراع العربي الاسرائيلي شغلها الشاغل، ولذلك ليس غريبا أن يكون العداء واضحا منذ البداية بين ثورة يوليو والكيان الصهيوني، لأن الثورة المصرية رصدت تحركات اسرائيل وأطماعها في المنطقة العربية وقادت ما يمكن تسميته بحرب دعائية نفسية ضد المشروع الصهيوني. بعد نصف قرن من قيام ثورة يوليو مازالت في صميم الفكر والعقل العربي ـ رغم كل الجدل الذي أثارته وتثيره حتى الآن ـ وقوت من ارادة الجماهير العربية في مواجهة غطرسة القوة، وتركت في الروح العربية حافزا على المقاومة والصمود يترجم اليوم في شكل اصرار جماهيري عربي على تحدي آلة القتل والعدوان الاسرائيلية. واذا جاز لنا أن نعتبر هذا انجازا وحيدا لثورة يوليو فيكفيها ذلك حتى تمثل الصدارة في أمجاد أمة العرب عبر الخمسين عاما الأخيرة. ـ كاتب مصري