أثارت عمليات المقاومة الفلسطينية التي جرت في تل أبيب وفي الضفة الغربية، في الأيام القليلة الماضية، مجددا، التساؤل عن جدوى هجمتي «السور الواقي» و«الطريق الحازم»، ومعها كل الإجراءات الأمنية الصارمة التي تتخذها قوات الاحتلال الإسرائيلية، ضد الفلسطينيين. وفي الواقع فقد أكدت هذه العمليات على روح التضحية العالية لدى الشعب الفلسطيني وقدرته على تجاوز الضربات الإسرائيلية، برغم قساوتها، ما وضع علامة شك كبيرة بشأن قدرة حكومة شارون على الاستمرار بانتهاج سياسة الحل الأمني الذي يستهدف تقويض إرادة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني وتطويعه للإملاءات الإسرائيلية. وعلى خلفية هذه التساؤلات والشكوك من الطبيعي أن تشهد الساحة الإسرائيلية جدلا واسعا وحاميا حول طبيعة الإجراءات الأمنية، وجدواها، وحول ماهية الخطوة السياسية القادمة، لحكومة لا يوجد لها أية خطة سياسية للتعامل مع الفلسطينيين، خصوصا وأن هذه الحكومة جردت أكبر حملة عسكرية، اتسمت بوحشية بالغة، ضدهم، كما أنه في عهد هذه الحكومة، ذاتها، قتل أكبر عدد من الإسرائيليين في عمليات للمقاومة، برغم كل الإجراءات الأمنية والاحترازية. واللافت للانتباه مدى التخبط الذي يمر به المجتمع الإسرائيلي، هذه الأيام، والذي يبدو ملتفّا حول سياسات شارون ومتّحدا من حوله، في وقت لا يخفي فيه، أيضا، رغبته بالتخلص من المأزق الذي وجد نفسه غارقا فيه بسبب وجوده الاستيطاني والاحتلالي في الأراضي المحتلة. وتعكس استطلاعات الرأي الإسرائيلية، هذه الحقيقة على شكل مفارقة واضحة، ففي حين يصوّت 60 ـ 65 بالمئة من الإسرائيليين تأييدا لسياسات شارون ضد الشعب الفلسطيني، تصوّت ذات النسبة، أيضا، لصالح التخلي عن أغلبية المستوطنات ولصالح الانفصال من طرف واحد عن الفلسطينيين والخروج من الأراضي المحتلة وحتى لصالح قيام دولة فلسطينية! وبحسب ايتان هابر فإنه «في دولة العجائب والأنبياء يمكن حدوث كل شيء»! (يديعوت أحرونوت 27/6) وتفسير هذا التخبّط، الذي يتضمن سر بقاء شارون في سدة السلطة، إنما يكمن، أساسا، في تردد وانتهازية ما يسمى اليسار الإسرائيلي وعدم قناعته تماما بعملية التسوية، كما يكمن، أيضا، في المجتمع الإسرائيلي، ذاته، أي في طبيعته الاستيطانية وأيديولوجيته الدينية والعنصرية؛ لاسيما وأن التجربة أثبتت أن المجتمعات الوظيفية المصطنعة تميل، غالبا، إلى التشدد كتعبير وقائي لتبرير وجودها والدفاع عن مستقبلها. ولكن السبب الأساسي في هذا التخبط (كما في بقاء شارون) إنما يعود إلى شعور الغطرسة الناجم عن إحساس الإسرائيليين بامتلاكهم عناصر القوة والغلبة ضد الفلسطينيين، أولا؛ واستنادهم إلى الدعم السياسي الذي تغدقه الولايات المتحدة الأميركية على إسرائيل لتغطية عدوانها ومواقفها المتعنتة، ثانيا. ويمكن من متابعة الجدل في الصحف الإسرائيلية ومقالات المحللين فيها، حول جدوى الحل الأمني الذي ينتهجه شارون، ملاحظة الشكوك التي تساور النخب الإسرائيلية تجاه سياسات رئيس حكومتهم، وملاحظة عمق التساؤلات التي يطرحها المجتمع الإسرائيلي في هذه المرحلة. وفي هذا الإطار، مثلا، يرى المحلل الإسرائيلي ألوف بن، بأن «عملية التاسع من يوليو في تل أبيب والهجوم على حافلة قرب عمانويل، وضعت حدا لوهم الهدوء الذي أثارته عملية »الطريق الحازم« في الضفة الغربية..الحكومة وجدت نفسها ثانية عاجزة أمام الإرهاب الفلسطيني، بعد ان جربت تقريبا كل شيء ».(هآرتس 18/7) ويؤكد حيمي شاليف على ذلك في مقال نشره في معاريف مؤخرا اعتبر فيه بأن «قرار الحكومة بالعودة الى احتلال المنطقة (أ) هو بالأساس قصة فشل.. فإعادة احتلال المناطق قد يقمع الإرهاب لفترة محددة، ولكن هذا سيعود للظهور من جديد، بأشكال أخرى، قد تكون أشد فتكا». ويتفق ناحوم برنياع مع هذه الاستنتاجات بقوله:« اثبت الجيش انه يعرف كيف يحرك المستنقع ولكنه لا يعرف كيف يجفّفه. لذلك المطلوب قرارات سياسية أو تدخل قسري من الخارج». (يديعوت أحرونوت19/6) وتعقيبا على موجة عمليات المقاومة التي حصلت في يونيو الماضي، والتي أدت إلى مصرع 58 إسرائيليا، كتب يوئيل ماركوس مقالا لاذعا نعى فيه عملية «السور الواقي» التي شنّها الجيش الإسرائيلي، أواخر شهر مارس الماضي ضد الفلسطينيين، قائلا:« المواطن الذي اختار شارون حتى يحصل على الأمن الشخصي، ناهيك عن السلام، تحول إلى لاعب في مقامرة الموت. ففي عهد شارون قتل عدد أكبر من الإسرائيليين بالمقارنة مع نفس الفترة في عهد كل رؤساء الحكومة الذين سبقوه..بعد 16 شهرا من الحكم بات وضع الدولة أسوأ في كل المجالات. قد يكون الذين يتهمونه بأنه لا يوفر للفلسطينيين أفقا سياسيا على حق. ولكن من يحتاج الأفق السياسي فعلا هم مواطنو الدولة الذين تقودهم حكومة بلا خطة..لا حل للإرهاب إلا من خلال التسوية السياسية»(هآرتس 25/6) وبالنسبة لبعض مؤشرات تراجع شعبية شارون في استطلاعات الرأي الإسرائيلية، فقد رأى فيها بعض المحللين ما يوحي بأن عهد شارون بدأ عدّه التنازلي، إذ أنه بحسب ران إيدليست «وصل إلى نهاية طريقه كرئيس لحكومة إسرائيل، ورويدا رويدا سيخسر مقدرته على التأثير على أمور الدولة، إلى حين إقصائهَ» (يديعوت أحرونوت 28/4) ويذهب يوسي ساريد رئيس المعارضة الإسرائيلية وزعيم حزب ميرتس، إلى جوهر المشكلة، في مقال نشره في صحيفة يديعوت أحرونوت (4/3) فبرأيه:«الاحتلال مصدر الشر، لذلك يجب التركيز على تصفيته وليس الاحتفاظ به. لا يوجد شعب في العالم يوافق على الاستسلام لسلطة أجنبية. الشعب الفلسطيني غير استثناء في هذا الصدد..القوة لن تغير الوضع المأساوي الذي وصلنا إليه». ويرى يغآل سارينا بأن القصف والقتل والحصار لن تفيد شيئا، فالمسألة هي وماذا بعد: «ما الذي سنفعله ل3 أو 4 ملايين فلسطيني؟ هل سنطحنهم ونحطمهم؟ هل سننتقل من بيت إلى آخر بمناشير فولاذية؟ هل سنشطرهم إلى جزر معزولة بين الشوارع الالتفافية؟ لا. يجب فقط وقف الدم..ومن ثم نتفق كيف سنخرج من عظامهم، من ساحاتهم وحقولهم وقراهم، وكيف سيخرجوا هم من عظامنا. ليس بالأباتشي ولا بمناشير الباطون، وإنما حول الطاولة وعلى الكرسي وبالورق».(7/3) أما صمود الفلسطينيين أمام الآلة الحربية الإسرائيلية فيفسره ايتان هابر بقوله:«هذه حرب استقلالهم، وفي حرب كهذه تصبح كل الوسائل مشروعة..من وجهة نظر الفلسطينيين ليس لديهم ما يخسرونه».(يديعوت أحرونوت 22/2) أخيرا يمكن القول بأن هذا الجدل لدى الإسرائيليين سيتواصل وستزداد حدته كلما تولد لديهم الشعور بأن لديهم ما يخسرونه، الآن ومستقبلا، أي كلما ازدادوا قناعة بارتفاع كلفة وجودهم الاحتلالي والاستيطاني، في الأراضي الفلسطينية، من النواحي: السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية، وكلما تعلق الأمر بزعزعة استقرارهم ومكانتهم على الصعيدين الدولي والإقليمي. ـ كاتب فلسطيني