الاحتفال الكبير بثورة 23 يوليو بمناسبة مرور نصف قرن على قيامها، أمر تشكر عليه الدولة والحكومة. فلأول مرة في التاريخ الحديث يفتح الستار عن ثورة 23 يوليو بدون حصانة، أصدقاء الثورة وأعداؤها يتحدثون عنها، مزاياها وسوءاتها وجها لوجه، وهذا الوضع أفضل للكشف عن حقيقة يوليو، وأثرها في تاريخ مصر. وقبل ثورة يوليو كانت مصر تحكم بأسرة محمد علي، وهي أسرة قدمت لمصر خدمات جليلة. ولكن هذه السلسلة المجيدة من الخدمات انتهت مع اسماعيل باشا، وكل الذين جاءوا بعد اسماعيل لم يتركوا أثرا، وتجسدت المساوئ كلها في عهد الملك فؤاد وانتقلت الى عهد الملك فاروق. وانتهى الحكم الى الفصل التام بين الحكم والشعب. وكانت الحاشية تضم أغلبية من الأجانب والمتمصرين، ونجح هؤلاء في جعل النظام في مواجهة الشعب، والعلاقة الوحيدة بينهما هي المسدس المرفوع في يد الحكومة ضد من تصوروا أنهم أعداؤه فقتل في البداية حسن البنا في الشارع، وثبت بعد ذلك أن الذي قام بقتله كان مدير الأمن العام، ثم قتلوا الشهيد عبدالقادر طه قتله علي حسنين أحد رجال الحرس الحديدي الذي استعان به القصر لتأديب العصاة من الشعب، وحاولوا قتل مصطفى النحاس أكثر من مرة، ولكنه نجا من غدرهم بفضل الله سبحانه، وحاولوا قتل المحامي النابغة عزيز فهمي حتى انتهى غريقا في إحدى الترع بالجيزة. لم يكن لدى الحكومة للمعارضين إلا السجن أو الرصاص، وكان يرسف في الاغلال عدد من المثقفين منهم رشدي صالح يرحمه الله. وكان لابد أن يتحرك أحد لحماية الشعب من حكومة الأجانب والمتمصرين. وجاء يوم 23 يوليو يحمل الأمل للناس. انتفض الجيش ليزيح رأس الفساد من مصر، وليفتح الطريق أمام البلد لتبني نفسها وترسم مستقبلها بأيدي أبنائها، وكان جمال عبدالناصر هو أول مصري يتولى رسم سياسة بلده بنفسه، بعد عهود طويلة من حكم الأجنبي وأعوانه. وتعثرت الثورة في بعض الأوقات، وصادفت مصاعب شتى بسبب قلة الخبرة وبعض مستشاري السوء. ولكن الثورة استطاعت أن تتغلب على المصاعب، واستطاعت أن تحمي نفسها من المؤامرات التي استهدفت وضع حد لمسيرتها. واستطاع عبدالناصر أن يقود سفينة الثورة الى بر الأمان، بالرغم من العواصف التي أحاطت بها وهددت باغراقها، واصبح الشعب هو السيد لأول مرة في التاريخ. وانتقلت الثورة الى المرحلة الثانية من تاريخها، واستطاعت الثورة أن تحمي نفسها رغم محاولات ضربها من أعدائها وأعداء الناس، ثم انتقلت الى المرحلة الثالثة، وجاء حسني مبارك من صفوف القوات المسلحة ليقود المسيرة، ومن خلال السلام الذي شهدته المنطقة استطاعت مصر أن تنمي نفسها وأن تزيد الرقعة الزراعية لدرجة أن طريق الاسكندرية الصحراوي صار طريقا زراعيا وظهرت مزارع توشكى جنوب الوادي، وأصبحت صادرات مصر تنافس مثيلتها في أوروبا وأميركا. ولكن يذكر لشعب مصر أنها أطلقت المدافع تحية للملك وهو يغادر مصر الى الخارج مع عائلته، بينما شهدت بلاد أخرى مجاورة مذابح ومشاكل عند التخلص من الملكية. قال لي الأمير أحمد فؤاد آخر ملوك أسرة محمد علي عندما التقيت به في المغرب. إنني أحب شعب مصر لأنه شعب متحضر. سمح للعائلة المالكة بالخروج من مصر في احتفال ضخم، وانطلقت المدفعية في تحية الملك المخلوع. لقد حققت الثورة المصرية كل أحلام الزعماء الذين أعجزتهم الظروف الصعبة عن تحقيق أحلامهم. وبالثورة انفتح الباب أمام المصريين لرسم مستقبلهم بأيديهم وبناء مصر على هواهم. والفضل كله يعود لشعب مصر الذي احتضن الثورة من أول لحظة، وأيدها ضد جميع خصومها وأعدائها، وخاض المعارك من أجل حمايتها وتمهيد الطريق أمامها، وشكرا لمن أعد الاحتفال بثورة يوليو في عيدها الذهبي، وسمح للجميع بأن يقول رأيه في الثورة. ولا ينكر أحد منا نحن الذين عاصروا الثورة في أول يوم لها، فضل الذين قاموا بها وساروا بها حتى النهاية، بالرغم من بعض السلبيات التي حاصرت الثورة وحاولت اعتراض طريقها.