كنا قد بدأنا الحديث حول الدور المتفرج لعاطفة الكثيرين الذين اثروا ان يعبروا عن انتمائهم لقضايا امتهم في مناسبات محدودة، ومواقف معينة تستمر فترة قصيرة من الزمن، ثم يعود الكثيرون الى سابق عهدهم من التمحور حول ذواتهم، بعيداً عن الالتحام مع ما هو اكبر واهم من الحسابات الضيقة التي تكرس حالة اللامبالاة التي يحلو للبعض ان يجعلها حرفته التي يلازمها طيلة حياته، مما اوصله الى حالة من الادمان على حياة الكسل، وقلة الفاعلية، والامثلة على ذلك كثيرة. خذ مثلا موسم السفر الذي يجذب كثيراً من الناس في كل عام، ويجعلهم يسيحون في الارض، قاصدين الاستجمام، وناشدين الترويح عن النفس. ورغم ان هذا الهدف هو هدف جيد بحد ذاته ومقبول من حيث الفوائد السريعة التي يجلبها للمسافرين، مثل تجديد الطاقة، وتوثيق الروابط الاسرية، والتعرف على مناطق سياحية جديدة في هذا العالم المترامي الاطراف. غير ان ثمة سؤالاً يتبادر الى الخاطر وهو: لماذا لا يضاف الى هذا الهدف الترويحي هدف آخر وهو تقديم الشخصية العربية المسلمة الى دول العالم بطريقة لائقة تؤكد ان انسان هذه الارض الطيبة يحمل القيم الحضارية القادرة على جلب احترام الآخرين له، حيث يكون مثل هذا السائح سفيرا فوق العادة لثقافة الامة التي ينتمي اليها؟ اما ان يختلط الامر على البعض الى الدرجة التي يسمحون فيها لانفسهم بارتكاب اشياء كانوا يخجلون منها في اوطانهم فذلك دليل على التخلخل الشديد في شخصياتهم، ودليل ايضا على الفهم المعكوس لمعنى الترويح والسياحة وللاهداف والمقاصد المرتبطة بفوائد السفر والاستجمام التي توارت عن ذهن ذلك السائح المريض الروح، والمعتل المزاج!! فاذا انتقلنا الى صورة اخرى من صور الحياة الاجتماعية التي عليها الكثير من الناس، واخذنا الانترنت كوسيلة عصرية استقطبت نسبة عالية من الرجال والنساء، فان طريقة الاستخدام تكرس من جديد حالة اللامبالاة والاعراض عن استثمار هذا المنتج الثقافي الاعلامي المفتوح فيما يعود على واقع هذه الامة، ومستقبلها. غير ان الذي حدث هو انكفاء عدد كبير من مستخدمي هذه الواسطة الاعلامية لابتكار اساليب تنم عن جهل شديد باهداف هذا المنتج الجديد، وتكشف عن الثقافة الهشة لهذه الفئة التي اراد اصحابها ان يكون استخدامهم لهذه الوسيلة لا يعدو جانب قتل الفراغ، واللهو واللعب، بغض النظر عن كون هذا اللهو بريئاً او غير ذلك فالمهم لدى هؤلاء المستخدمين جلب متعة اللحظة اذ ليس هناك هدف آخر يمكن ان يعملوا لاجله، بعد ان فرغت ارصدتهم المعرفية من اي مخزون يمكن ان ينقذهم من هذا الاستنزاف غير المشروع لاوقاتهم، وطاقاتهم، بل واخلاقهم بعد أن يستمروا في سحب رصيدهم من الاخلاق الى الدرجة التي قد تصيبهم بحالة من الفقر والعوز، وحينها لن يستطيع مكسب عاجل تعويض تلك الخسائر من رصيد القيم والمثل الذي ان فرغ ونضب من الانسان فعليه السلام. ومن الصور التي تجسد حالة التفرج على الواقع، دون ان يكون لدى الانسان ادنى استعداد للمشاركة في تفعيل دوره في الحياة، تلك العبارات التي لها اصحابها المتعلقون بها، الذين يكررونها في الليل والنهار، ويؤكدون بها سلبيتهم، وموقفهم المتراجع الى الخطوط الخلفية، كقولهم: «ما باليد حيلة» او «ليس لدينا افكار جديدة او مفيدة للآخرين» او مثل هذا التقاعس العلني المكشوف الذي يصوره احدهم فيقول «لست معنيا بمشاكل غيري، يكفيني ما انا فيه» او مثل هذا العذر دائم التكرار «لا اجد وقتا لأعطيه غيري»، او ان يردد احدهم هذه العبارة التي تؤكد ان صدره ضيق عن الاحساس بأي شيء في الحياة «لست المتسبب في مشاكل العالم حتى اكلف بعلاجها». والامثلة على هذه الكلمات المستريحة التي ترويها العقول المستريحة التي نفضت يديها مبكراً عن المساهمة ولو بالقليل في اثراء الساحة الاجتماعية او الثقافية بالرأي الجيد، او بالعمل المفيد. اولئك الذين تخندقوا في زاوية ضيقة من الحياة حيث اختزلوا العالم كله في ذواتهم الصغيرة، ورأوا ان السعادة في السكون والخمول وراحة البال وايثار السلامة، مع الاكتفاء بالنظر والتفرج الذي غدا خيارهم الوحيد!!