يوم أمس، صادف مرور خمسين عاماً على ثورة 23 يوليو المصرية، وعلى الرغم من أن هذه الثورة قد قام بها مجموعة من الضباط الأحرار، كما أطلقوا على أنفسهم، إلاّ أنها ارتبطت باسم جمال عبد الناصر وصار اسمه مرادفاً للثورة يُعرف بها وتعرف به. وإذا كانت هذه الثورة قد زلزلت الأرض تحت أقدام الملكية في مصر، فإنها أيضاً كانت أماً لكل الثورات والحركات التحررية التي شهدها الوطن العربي بأسره فساهمت بشكل مباشر في خلق واقع سياسي واجتماعي جديد في هذا الوطن. وعلى الرغم من أنني من جيل بدأ يتشكل وعيه وهو يسمع بكاء وعويل نكسة ـ يونيو. كما أسماها الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل، إلاّ أن شخصية الزعيم جمال عبد الناصر كان لها سحر يفوق كثيراً مرارة وآثار النكسة. فعندما أحنى رأسه للهزيمة معترفاً بها وطالباً الصفح من شعبه وأمته، وان يعود إلى صفوف الجماهير. حدث معه مالم يحدث مع أي قائد يجرجر أذيال الهزيمة، فقد طالبه الشعب أن يرفع رأسه من جديد متمسكاً به لأن الكلمات الصادقة التي كان يبثها في وجدان الناس «ارفع رأسك يا أخي فزمن العبودية قد ولى». هذه الكلمات بكل ما فيها من صدق وكرامة كانت أكثر حضوراً في وجدان أبناء شعبه من قسوة الانتكاسة ومرارة الهزيمة، بل ان حضور كلماته الصادقة كان لها مفعول السحر في وجدان أبناء الوطن العربي قاطبة الذي تمسك به، ليس رئيساً للجمهورية العربية المتحدة، فهذا شأن المصريين، بل تمسك به زعيماً للأمة العربية رغم انه خرج من معركة لم تكن الأمة تشك في النصر فيها فإذا بها تحصد هزيمة قاسية اختزلها «الجورنالجي» في نكسة. حسناً فعلت الحكومة المصرية عندما قررت الاحتفال بأم الثورات العربية على مدار العام، وبالتأكيد انه بعد مرور خمسين عاماً على هذه الثورة، وبعد مرور 32 عاماً على وفاة زعيمها الخالد، صارت كل القضايا اكثر وضوحاً، وكافة السياسات مكشوفة للأمة وربما، وأقول ربما، قد هدأت الحملات المسعورة وحملات المنتقمين من عبد الناصر وتجربته، إن هذه الثورة تستحق وهي تحتفل بمرور نصف قرن عليها أن تحظى بتقويم وتقييم موضوعي وواقعي، لا يغفل مطلقاً الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أحاطت بكل القرارات المصيرية التي أقدمت عليها سواء في عهد زعيمها أو من تلاه. * لا أزال أتذكر تلك اللحظة الخاطفة التي رأيت فيها عبد الناصر وهو واقف بقامته المهابة وبجانبه شاب ببزته العسكرية يحمل صفة قائد ثورة الفاتح من سبتمبر, وأقصد الرئيس معمر القذافي الذي يقف بجانبه في سيارة مكشوفة تخترق شارع رمسيس بوسط القاهرة، ففي العام 1970م وفي شهر يونيو، شهر النكسة، كنت وبعض الأصدقاء في بهو فندق كابسس وفجأة سمعنا أصوات سيارات النجدة، ورأيت كل من في بهو الفندق يخرج مهرولاً للشارع، حتى موظفي الاستقبال وعمال الفندق يهرولون للخارج وبدون وعي وجدت نفسي أجري وأقف على الرصيف الثاني لأسأل أحد موظفي الفندق ماذا هناك؟ فرد عليّ، وهو يترقب الشارع، وعلامات السرور تكسو وجهه: «الريس ح يمر دلوقت» بصراحة منظر الشارع كان مذهلاً ففي دقائق تجمع الناس على جانبي الطريق، وبعد لحظات مر الموكب من أمامنا، وشاهدت الرئيس وهو يلوح للجماهير في سيارة مكشوفة، فكانت اللحظة بالنسبة لي ولكل أصدقائي لحظة تاريخية أن نشاهد عبد الناصر بلحمه وشحمه فكانت سعادتنا كبيرة. أما اللحظة الأخرى التي لا يمكن أن أنساها، فقد كانت يوم إعلان وفاة عبد الناصر في 28 سبتمبر من العام 1970م، كنت مولعاً بحمل راديو ترانزستور صغير معي باستمرار، وفي مساء يوم 28 سبتمبر، وبينما كنت استمع إلى نشرة أخبار التاسعة مساءً، نزل الخبر عليّ كالصاعقة وبلا إدراك كنت أقود دراجتي النارية في اتجاه المنزل، وطوال الطريق كنت بلا وعي أجهش بالبكاء إلى أن وصلت البيت وعندما أخبرت أهلي بالحدث الجلل، أخذ الكل يبكي عبد الناصر بحرقة، وكأنه واحد من أفراد الأسرة بل هو الفرد الأكثر معزة ومحبة! بعد عبد الناصر، لم أر حشوداً مشيعة تخرج في الوطن العربي حداداً على وفاة رئيس، كما حدث مع عبد الناصر. فقد شيع الشعب العربي زعيم ثورة يوليو، وطافت المسيرات الحزينة شوارع الوطن، وأتذكر أن مسيرة وداع عبد الناصر في دبي بدأ تجمعها عند بلدية دبي وطافت شوارع المدينة، وعلامات الحزن والأسى على كل الوجوه. وفي رأيي أن هناك حبلاً سرياً ربط بين عبد الناصر والجماهير العربية عجزت كل الحملات المغرضة عن قطعه لأن عبد الناصر كان يخاطب هذه الجماهير اكثر مما يخاطب الأنظمة التي تحكمها، وكان صدقه وإخلاصه عندها، اعظم من أخطائه، فقد عاش نظيفاً ومات فقيراً وكان زاهداً.