رغم ان الصدفة البحتة هي التي فتحت هذا الموضوع مع احد زملاء العمل، إلا انها سرعان ما تحولت من مجرد دردشة الى قضية اتسمت بالجدل والاخذ والرد، خاصة بعد انضمام اكثر من زميل اثروا المسألة ايما اثراء، ورغم خلافي معهم الذي وصل الى الطرف النقيض تماما، الا انه اسعدني على المستوى الشخصي، فجميل ان تتعرف على امكانات زملائك من الوعي والفهم والادراك ورقي الحوار الذي اتسموا به، قلما ان تكتشفه بسبب مهام الوظيفة و«دربكة» العمل الصحافي فضلا عن جلسات النميمة والقيل والقال ومنظومة التهوين والتهويل، والتقدير والتبخيس، تلك التي استقرت تحت جلودنا، وقضمت جزءا كبيرا من مخزوننا المعرفي، او حتى الجدلي والسجالي في قضايا كثيرة. وللحقيقة اقول اننا استعنا بما كتبناه منذ زمن على صفحات جريدة «البيان»، وهو امر مشروع وطبيعي طالما ان القضية محسوم امرها بالنسبة لنا لحين اشعار آخر، لذلك سنظل نتمسك بالحجج والبراهين بنفسها في اية مناسبة تثير الشجون، وتتحرش بالرواكد. الموضوع يتلخص في سؤال واحد مفاده: ما هو الوطن والانتماء؟ وما معناهما؟ والحقيقة ان الحوار مع الزملاء رغم سخونته وحيويته، الا انه لم يخرج عن نقطة هي الخلاف الذي يعد بمثابة العمود الفقري للقضية برمتها والذي يخرج من عباءته كافة تجليات المسألة بكل صنوف الاختلاف. فلانزال نعتقد ان معظم النقاشات التي تتناول معنى الوطن وضرورة الانتماء اليه تتكيء في غالبيتها على الطابع الرومانسي والامومي لكلمة «الوطن» وهو ما ارفضه تماما فالوطن ليس بقعة جغرافية شهدت مولدنا وزخرت بالذكريات الجميلة «ليست كل الذكريات جميلة» بل هو المكان الذي يحفظ لك كرامتك قبل كل شيء فلا سعادة بدون كرامة ولا انتماء بدون مقابل تتذوقه روحك وكيانك وعقلك، انه مبدأ العطاء المتبادل الذي يحكم العالم منذ بدء الخليقة، حتى ان الخالق سبحانه وتعالى يتعامل مع خلقه بهذا المبدأ فلا جنة بدون ايمان وعبادة ولا نار بدور عصيان وفجور.. رب قائل ان مبدأ الاثابة والعقاب لا يصح اقحامه في الموضوع، لكننا نرد بأن هذا المبدأ تحديدا يعتبر أصلح المباديء لتأطير علاقتنا بأوطاننا في اطارها الصحيح.. وهو الفرصة الذهبية لفرملة الوطنية الدعائية، والخطابات الهتافية.. علينا ان نردد: «اعطونا وطنا حقيقيا نمنحكم انتماء فعليا» فجميعنا يعلم معنى فداحة الحب من طرف واحد، وانه لا يطعم خبزا، ولا يضمن استمرارا للأحاسيس الدافئة. والشيء الذي يقع فيه كثيرون هو ذلك الخلط العجيب بين كراهية الوطن، وبين تشريط وعقلنة حبه والانتماء اليه، الا اذا اعتبرنا ان ضرب الاب لابنه دليل على كراهيته له، فالفرق كبير بين الغضب والمقت.. فالوطن ليس امرأة جميلة تغرينا بفتنتها فتلغي قدرتنا على التحكم وضبط الامور، بل هو مجرد فكرة تحفها الشروط والمسوغات من كل جوانبها، وفي ذلك يقول الباحث محمد جواد رضا: «ان الدولة تطالبك بالولاء، دون ان تعلمك ما هو عدم الولاء، والسلطة تريد منك الالتزام دون ان تتفق معك على الفرق بين الالتزام والالزام، وتريد منك الاخلاص دون ان تسمح لك بصدق النصيحة اساسا للاخلاص، وقد يطلب منك الوطن اداء الواجب دون ان يوافقك على ان الواجب له مضمون اخلاقي يضبط ايقاعه»، هذا هو حال معظم اوطاننا العربية لكن الطريف ان ترى سواد الناس يطالبونك بالموافقة على هذه الثغرات، وهي حالة من الانتماء الرومانسي، او «اللا ادرية» وهي مذهب فلسفي ينادي بأهمية انكار قيمة العقل وقدرته. النقطة الخلافية الاخرى هي اعتقادي بأن الغربة تضع الوطن في وضع فسيفسائي يسمح لنا بقراءة اكثر تفصيلا وحيادية لتغلغله داخلنا، فضلا عن معايشتنا الدائمة لحالة المقارنة بين المكان الاول والمكان الاخر فأنت اذا جلست مع احد اصدقائك حول طاولة، فلن ترى منه الا وجهه، ولون قميصه ويديه، في حين لو ابتعدت قليلا عن الطاولة ستتعرف على لون حذائه، وجواربه وهكذا.. اذن الغربة هي الفرصة الذهبية للقبض على المعنى الحقيقي للوطن، وتخليصه من فوضى الادراك والانتماء المراهق الذي غالبا ما نتشح به في وسط الزحام والركض اليومي للقمة العيش. اخيرا ولضيق المكان اقول ان علاقة المرء بوطنه علاقة تعاقدية بامتياز، تخضع لشريعة المتعاقدين، ولا مكان لحب الاوطان الا في الاشعار والمواويل والنشيد الوطني، والحنين المريض «النوستا لجيا»، والمثل الشعبي يقول «جنة من غير ناس ما.. تنداس».. لا ننكر اننا سوف نعود لاوطاننا ونحزم حقائبنا بطبيعة الاحوال.. لكن هناك قولا انجليزيا يعيننا على اوجاعنا وهو «تستطيع ان تجبر الحصان على الذهاب للنهر، لكنك لن تستطيع ان تجبره على الشرب منه»، لذلك من المهم جدا الا نتجاهل حالات الطلاق النفسي مع اوطاننا والتي تبدو بين حين وآخر في زلة اللسان، والتناقض في الكلام، وحجج المدافعين الواهية عن المعنى العاقل للوطن والولاء، يجب ان نفرق بين النقد والنقض لان الخلط نتيجته مفجعة. عموما كل الشكر والامتنان للزملاء الذين صالوا وجالوا في اروقة هذه المعضلة، لكن الشكر الاكبر لانهم انقذوني من «زنقة» الوقت لكتابة هذه الزاوية(!!)