حسم النفط امر السودان وحدد مستقبله السياسي ويتوارى بالطبع خلف الاطماع النفطية ـ او على وجه الدقة الاعتبارات الاقتصادية الجديدة لبلد مثل السودان ـ تغيير الخريطة السياسية للجنوب بزرع تيمور شرقية جديدة، في الجسد السوداني وهي المخاوف الوحيدة والفعلية التي تعتري المتابعين لاتفاق نيروبي، وهو ما جاء في مجمله مطلبا ضروريا وملحا لايقاف نزيف الدم الذي ذهب ضحيته نحو مليون ونصف المليون شخص وشرد نحو اربعة ملايين آخرين، واتفاق نيروبي لم يكن الا نتيجة وثمرة طبيعية لاصرار اميركي وتوجه من جانب منظمة الامم المتحدة يشابه تماما في مجمله انتهاج الاستراتيجية نفسها مع اندونيسيا لمنح اقليم تيمور الشرقية ذي الغالبية المسيحية من حق تقرير المصير. ويخطيء من يظن ان الاستفتاء لن يأتي لصالح استقلال الجنوب وانفصاله عن الجسد السوداني وهو امر مرير للجغرافيا العربية وموجع لتفتت اوصال الوطن الواحد خاصة انه يأتي مع ذكرى ثورة يوليو الذهبية بزعامة جمال عبدالناصر الذي كرس النضال القومي من اجل الوحدة العربية حتى جاء اليوم الذي نرى فيه اقتطاع وانتزاع اجزاء من الجسد الواحد كما في السودان وما سيحدث ايضا في شمال العراق. وبعيدا عن جدل المعارضة في السودان التي تبحث عن دور فان المصلحة العليا لهذا البلد تتطلب شد السواعد وتحفيز الهمم نحو البناء والتنمية. والاعتبارات الاقتصادية خاصة النفطية واكتشاف المزيد من الآبار البترولية القت بثقلها على القرار الاميركي باتجاه احداث انفراجة في العلاقات مع بلد غني بالموارد النفطية بعد ان وجدت الادارة الاميركية ان شركات اوروبية واسيوية وكندية بدأت التنقيب ونشطت على حساب منافساتها الاميركية والاتفاق الجديد يعني السماح للشركات الاميركية بالقيام باستثمارات في السودان رغم الضغوط التي كان الكونغرس حريصا عليها في السابق لفرض عقوبات اقتصادية مشددة على السودان وحرص الرئيس الاميركي جورج بوش ـ بهدف انجاز السيناريو المخطط ـ على التجاوب مع هذا القلق الاميركي عبر استخدام سياسة متشددة تجاه الخرطوم بدأت بضرب مصنع الادوية ثم عقوبات اقتصادية ثم تحميل النظام السوداني مسئولية الحرب واتهامه بخوض ما زعمه بحرب اهلية همجية على مدى 20 عاما وتجاهل الاميركيون ان يضعوا قرنق على رأس المنظمات الارهابية خاصة وانه استهدف حقول البترول في عملياته العسكرية وهو ما لا يمكن ان يفعله الوطني الحر تجاه بلده ولكن المصالح الاميركية والتوجهات العقائدية الدولية تجعل من تيمور الشرقية وقرنق والجنوبيين شعوبا مضطهدة لا ارهابية.