كنت في طريقي الى مكتبة الساقي التي تقع وسط العاصمة البريطانية لندن للبحث عن كتب تتعلق بالثورة الجزائرية وأحداثها، بعدما اعياني البحث في مكتبات بيروت والقاهرة، حينما استوقفني احد الاصدقاء من رجال الاعمال الذين يقيمون في العاصمة لندن، وأصر على ان يوصلني بسيارته الى وجهتي، حاولت الاعتذار اليه مؤكدا على أني اتعمد السير على الاقدام كلما اتيحت لي الفرصة لفعل ذلك لا سيما في الاجواء اللطيفة، الا انه اصر، وكان معه اثنين من المرافقين. أبلغته عن وجهتي فسألني: هل تبحث عن كتب بعينها؟ قلت له: نعم أبحث عن كتب بالعربية عن الثورة الجزائرية لان ما لدي قليل وأريد ان احيط بالموضوع من جوانب مختلفة، وقد اعياني ان معظم الكتب حتى التي كتبها الجزائريون كتبت ونشرت باللغة الفرنسية ولم يترجم منها إلا القليل، حتى ان بعض الباحثين الجزائريين الذين استعنت بهم لمساعدتي سواء في عملية البحث او ارشادي الى الكتب، ابلغوني ان عدد ما كتب من كتب عن الثورة الجزائرية ربما يصل الى خمسمئة كتاب منها اربعمئة وخمسون باللغة الفرنسية. ولهذا فإني اجوب المكتبات بحثا عما ترجم منها او ما نشر بالعربية، حيث يستسهل الجزائريون حتى الآن التحدث او الكتابة او القراءة باللغة الفرنسية. وجد صاحبي مكانا لسيارته بصعوبة في شارع خلفي لمكتبة الساقي، وبعد انتهائي من البحث في المكتبة عن حاجتي عدنا بخفي حنين للسيارة، فلم أجد في المكتبة شيئا يزيد عما تحت يدي لكن المفاجأة كانت هناك عند السيارة. كان عدد من الصبية يزيدون ربما عن ثمانية اعمارهم بين الثانية عشرة والخامسة عشرة بينهم صبي ممتليء صوته كان عاليا ويصدر الأوامر لهذا وذاك، وكان واضحا انهم في طريقهم للقيام بأداء لعبة ما، فجأة صاح الممتليء حينما رآني صياح المفاجأة والذهول وانطلق نحوي بسرعة قائلا: انت احمد منصور.. غير ممكن. فجأة تحلق الأولاد حولي مثل القرود وهم يصيحون وكل منهم يقول لي بالانجليزية التي كانوا يتكلمون جميعا بها: هل يمكن ان نلمسك وهي عادة غربية يمارسها الناس عادة مع نجوم السينما. وقبل ان افيق من ذهولي مما يدور حولي صاح الممتليء في الأولاد فسكتوا ثم انهال علي بالأسئلة: أخبرنا كم مليون تتقاضى من قناة الجزيرة في العام؟ وأين سيارتك؟ هل هي فيراري ام رولز رويس؟ وكم قصرا عندك وفي اي البلاد؟ انفجرت في الضحك وأنا انظر الى رفاقي الذين لم يكن ذهولهم اقل مني، فكثيرا ما اصادف من يعرفونني صغارا وكبارا لكنها المرة الاولى التي اصادف فيها مشهدا مثل هذا.. صاح الممتليء في احد الاولاد طالبا منه ان يذهب بسرعة الى البيت لاحضار كاميرا، ثم قلت له كيف تشاهد قناة الجزيرة وأنت لا تعرف العربية؟ قال بعربية بلكنة اعجمية انا فلسطيني لكني ولدت هنا، قلت له وباقي الأولاد؟ فأخذ يشير لكل منهم ويذكر البلد العربي الذي ينتمي اليه كل منهم، ثم سألني عن اسامة بن لادن وكأني اعرف مصيره، ثم حدثني عن بعض البرامج التي أراد من ورائها ان يثبت لي انه مشاهد جيد. ثم عاد الى ما بدأه قائلا: اين سائقك وأين الحرس الخاص؟ عدت الى الضحك مرة اخرى فيما اجابه صاحبي قائلا: انا سائقه الخاص، ورد مرافقوه قائلين ونحن حراسه، نظر الصبي اليه من اعلى الى اسفل ثم قال وهو ينظر الي: لماذا لا يرتدي سائقك يونيفورم؟ أما هؤلاء فهم لا يشبهون الحراس الذين نراهم خلف وأمام النجوم.. دخلت في نوبة من الضحك المتواصل وكذلك اصحابي، لكنهم سعوا ليكونوا اكثر جدية ويقوموا بأدوارهم أمام الصبية بشكل جيد.. وجه الصبي كلامه الى صاحبي وقال له: أين سيارتكم ايها السائق؟ قال له: هذه.. نظر الصبي بتأفف اليها ثم التفت نحوي قائلا: ما هذا؟ مرسيدس 500؟ فأكمل صاحبي له باقي المواصفات مؤكدا له انها موديل 2002، لكن كل هذا لم يقنع الصبي ويبدو باقي الصبية الذين تحلقوا حول السيارة ليفحصوها كل بطريقته، ثم قال لي الممتليء وأنا اهم بركوب السيارة.. اذا كنت لا تركب رولز رويس وسائقك وحراسك بهذا المستوى فأين تضع الملايين التي تأخذها من وراء عملك في قناة الجزيرة؟ لم تكن قصة هذا الصبي الا صورة من الوهم.. الوهم الذي يتخيله كثير من الناس عمن يظهرون على الشاشة، سواء في السينما او التلفزيون بعد انتشار الفضائيات بشكل خاص، فالشاشة تصنع صورة كبيرة لمن يظهرون فيها تخالف واقعهم، فيرسم الناس كل في ذهنه لوحة لمن يشاهده تصل احيانا الى تلك الصورة التي رسمها هذا الصبي من خلال بيئته. لكن المشكلة دائما لا تكون في الصورة التي يتخيلها الناس، وانما في الوهم الذي يمكن ان يعيش فيه صاحب الصورة بحيث يعتقد انه لم يعد حقيقة نفسه، وانما اصبح الصورة الواهمة التي يتخيلها الناس عنه فيعيش ما يسمى بوهم النجومية ويبدأ في حالة الانفصام بين حقيقة نفسه وبين وهم صورته ثم تكون النهاية.. نهاية الذات الحقيقية للانسان. ويؤسفني ان الذين ينجون من هذا الوهم قلة وأتمنى ان اكون واحدا منهم، وكم رأيت اناسا دمرهم هذا الوهم او بدأ يدمرهم لانهم بدأوا يصدقون انهم اصبحوا تلك الصورة التي يتوهما الناس لكنها صورة بعيدة تماما عن حقيقة كل منهم، ومن المستحيل ان تصبح حقيقة حتى لدى الذين يتصنعونها او يصدقون انها اصبحت صورتهم لكنها في النهاية ليست سوى الوهم.. وهم النجومية. ـ كاتب واعلامي مصري