هل هو زمن نكبات العرب أم أنه العصر الأسود للأمة العربية؟ من الحصار على ليبيا الى الحصار على العراق الى العشرية السوداء في الجزائر الى اجهاض الانتفاضة الأولى والثانية في فلسطين، إلى أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها وانعكاساتها على العرب. مرة اخرى ينكشف العرب ويتعرى العمل العربي المشترك، ومن يشفع للمغرب في محنته في جزيرة «ليلى» هل هي جامعة الدول العربية؟ ام اتحاد المغرب العربي؟ ام منظمة المؤتمر الاسلامي؟ مع الأسف الشديد تحرك الاتحاد الأوروبي لصالح اسبانيا الظالمة واخفى العرب رؤوسهم في الرمال كالنعامة وعاد المغرب الى قواعده مستسلما راضيا بسياسة الامر الواقع. جاءت مشكلة جزيرة «ليلى» لتكشف النقاب عن السيادة الناقصة وعن الملفات التي يجب ان تفتحها المملكة المغربية بكل جرأة وشجاعة. فالقضية لا تتعلق بجزيرة «ليلى» لوحدها وهي عبارة عن جزيرة صخرية قاحلة لا ينبت فيها الا البقدونس ولا يتجاوز حجمها ملعب كرة قدم. المشكلة اعقد من ذلك بكثير واكبر من حجم الجزيرة الصخرية. مشكلة جزيرة «ليلى» تفتح ملف الاقاليم المغربية المتنازع عليها مثل الجزر الجعفرية وجزر اخرى الى جانب مدينتي سبتة ومليلة. فكل هذه الاراضي والجزر بحاجة الى دراسة بين الجانب المغربي والجانب الاسباني لتصفيتها نهائيا وحسب القوانين والاعراف الدولية. غياب عربي مشكلة جزيرة «ليلى» لها خلفيات وابعاد والأمر لا يتعلق بجزيرة صخرية وصغيرة جدا وانما له ابعاد تتعلق بالعلاقات الثنائية بين اسبانيا والمغرب، اسبانيا وبحكم التاريخ والموقع الجغرافي وانتمائها للاتحاد الأوروبي مازالت تتعامل مع المغرب بلغة المستعمر (كسر الميم) ولغة القوى ولغة البلد المتقدم والمتحضر. وهذا المنطق في حد ذاته يحمل تناقضات كبيرة لا تساير الاتفاقيات العديدة الموجودة ما بين اسبانيا والمغرب وما بين الاتحاد الأوروبي والمغرب ومعاهدات الشراكة العديدة التي تربط الضفة الشمالية والجنوبية من البحر الابيض المتوسط. منطقيا جزيرة «ليلى» تقع على بعد 200 متر من شواطيء المغرب، فإذا هي موجودة في المياه الاقليمية المغربية، ما يعني ان الجزيرة مغربية بحكم القانون والاعراف الدولية. وموقف اسبانيا يتناقض تناقضا صارخا مع القانون الدولي. الامر اذا جاء كانعكاس مباشر لتردي العلاقات بين المغرب واسبانيا والذي بدأ بمجيء خوسيه ماريا ازنار رئيس الوزراء الاسباني الحالي وزعيم الحزب الشعبي اليميني الى الحكم. وقد نلاحظ هنا ان ازنار يكيل بمكيالين في تعامله مع قضايا الاقاليم والجزر المتنازع عليها. فبالنسبة لجبل طارق نجده يتفاوض وقد اقترب من اتفاق مع البريطانيين في تقاسم السلطة على المضيق. من جهة اخرى نجد ان ملف الصيد البحري بين المغرب واسبانيا حيث عدم تجديد اتفاق الصيد المغربي الأوروبي، ترك بصماته على برودة العلاقات الاسبانية المغربية في الفترة الأخيرة. دروس كثيرة وعبر مهمة نستنتجها من ازمة جزيرة «ليلى». أولا: نلاحظ الغياب شبه التام للعمل العربي المشترك، وهذا ليس بجديد، فتاريخ المنطقة حافل بالتجارب والامثلة العديدة، سواء ما تعلق الحصار على ليبيا او الحصار وضرب العراق او ما يحدث في فلسطين او ما حدث ويحدث في الجزائر منذ عشر سنوات والقائمة طويلة. والمشكل الدائم والمستمر هو عدم التحكم في العمل والآليات السياسية من قبل العرب. نلاحظ دائما ضعفهم وعدم قدرتهم على التعامل مع الازمات واستخدام المنظمات القارية والدولية لتحقيق مصالحهم المشتركة. ثانياً: غياب المنظمات العربية، انطلاقا من اتحاد المغرب العربي، الى جامعة الدول العربية وكذلك منظمة المؤتمر الاسلامي. فالاتحاد المغاربي مع الاسف الشديد ولد ميتا ونجده يتفرج على ازمة مثل ازمة جزيرة «ليلى»، وبذلك فإنه كجهاز سياسي يضم دول المنطقة لم يستعمل مؤسساته وآلياته لتدعيم عضو من اعضائه في مشكلة واضحة المعالم. فالعمل العربي المشترك يبقى مغيبا وتبقى الشعارات الجوفاء والمجاملات الفارغة هي السائدة، وهذا من شأنه ان يقوي العدو ويضعف الطرف العربي. ازمة البيروقراطية ثالثا: على عكس الهيئات والتكتلات الأوروبية والأميركية نجد ان المنظمات العربية سواء تعلق الأمر بجامعة الدول العربية او منظمة المؤتمر الاسلامي، مؤسسات يغلب عليها الطابع البيروقراطي في المقام الأول حيث التركيز على الشكليات اكثر من الجوانب العملية. وبدلا من العمل المؤسساتي المنظم والقائم على القانون والآليات الشرعية والتنظيمية، نجد توصيات وشعارات جوفاء تستعمل للاستهلاك الاعلامي لا غير. رابعا: ازمة جزيرة «ليلى» تملي على الدول العربية اعادة النظر في استقلالها ومساءلة التاريخ والتأكد من ان استقلالها استقلال كامل أم هناك ملفات يجب فتحها بكل شجاعة وجرأة وصراحة ودراستها دراسة متأنية حسب الأصول والقوانين والأعراف الدولية، ويجب التحكم في العمل السياسي والدبلوماسي حسب ما تقضتيه الاصول والقوانين والاعراف الدولية. فهناك الكثير من القضايا العالقة التي يجب دراستها ومعالجتها وحلها نهائيا، لأن التأخير والتهاون يزيد في تعقيد الملفات وتأزمها. خامسا: قد نتساءل هل ان تصرف المغرب كان مدروسا وقائما على دراسة ومعالجة علمية للقضية ام انه كان عشوائيا بدون رؤية ثاقبة للموضوع؟ وإلا كيف نفسر ارسال القوات الى الجزيرة ثم سحبها ثم المطالبة بالرجوع الى العهد السابق؟ وهنا قد نتساءل عن مسئولية الفعل ودراسته من مختلف جوانبه وما هي الانعكاسات والعواقب؟ وهنا يجب طرح اسئلة اخرى تعتبر مصيرية واستراتيجية وجريئة وهي: ما هو مصير الجزر الاخرى وسبتة ومليلة؟ وكيف تستطيع المملكة المغربية معالجة هذه المشاكل في اطار الشرعية الدولية والمنظمات والاعراف والهيئات الدولية؟ يبقى ان نقول انه حان الأوان للانظمة العربية ان تراجع نفسها وان تراجع استقلالها وان تتساءل هل هذا الاستقال كامل ام منقوص ام انه مزيف وان هناك نقائض ونقائص وملفات عالقة يجب النظر اليها في اقرب الآجال ومعالجتها. من جهة اخرى يتطلب وضع العرب الحالي ضرورة اعادة النظر في العمل العربي المشترك وضرورة تفعيل الهيئات والمؤسسات والهياكل العربية حتى تلعب دورها كما ينبغي على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، وأن يعلم العرب أننا في عصر يؤمن بالعمل المنظم والاستراتيجي وليس بالحلول الآنية والمواقف المرتجلة. ـ قسم الاتصال، جامعة الشارقة