ان احد الاسباب في ان المخزون العلمي والحضاري والادبي العربي لم يحظ ولا يحظى بما يستحقه من اعتبار ورد اعتبار وحضور واثر في البنية الثقافية العربية في الوقت الحاضر، هو الدور الاكبر الذي أداه نشر الثقافة الغربية في النشاط الثقافي العربي، وهو دور كان على حساب الدور الذي كان ينبغي للمخزون الحضاري العربي ان يؤديه، لقد كان الدور الذي اداه ذلك المخزون صغيرا بالمقارنة بدور الثقافة الغربية، وكان من اللازم ان يكون ذلك الدور اكبر نظراً الى انتمائنا العربي وابتغاء التصدي للفكر الغربي الذي تضمن جوانب سلبية بالنسبة الينا فضلا عن جوانب ايجابية. ومما زاد الطين بلة ان قدراً كبيراً مما تبناه اولئك الكتاب ونقلوه الى اللغة العربية ليس من الكتابات في العلوم الدقيقة، ولكنه من المباديء الاجتماعية والمثل والقيم التي فيها بحكم طبيعتها قدر كبير من الذاتية والتي هي نتاج الثقافات التي نشأت فيها، ولكل ثقافة مبادئها ومثلها وقيمها وهي نابعة من الظروف الخاصة بتلك الثقافات واهلها وملبية لحاجاتها الخاصة بها ولحاجاتهم الخاصة بهم. والدعوة الموجهة الى شعب لقبول قيم ومباديء غير ثقافته، عبارة عن القفز على الظروف الثقافية التي تحيط بذلك الشعب حاليا وعبارة عن عدم مراعاة الظروف الاجتماعية الثقافية لذلك الشعب وضرب من ضروب فرض ثقافة على شعب لا ينتمي اليها. ان اشاعة الفكر الغربي المنتقى بالتحمس والاندفاع الكبيرين في صفوف العرب كان ولايزال احد العوامل التي اوجدت صورة ناقصة لدى المتلقين العرب عن طبيعة الثقافة الغربية والتي جعلت المجالات الفكرية الغربية التي عني بها الفكر العربي اقل، فانتقائية التناول ادت الى المبالغة في التأكيد على الوان فكرية محدودة مع اهمال الوان فكرية اخرى. ولاتزال الساحة الثقافية والفكرية العربية تشهد بيانات الكتاب الشفوية والمكتوبة الذين يعربون عن افكارهم على نحو انتقائي وبطريقة فيها قدر كبير من التحمس او الاندفاع او الطيش احيانا، وبطريقة لا تنم عن مراعاة ظروف الشعوب العربية التاريخية والاجتماعية والثقافية، وعن مراعاة الاثار السلبية المقيتة التي تترتب على الاعراب عن تلك الافكار في حياتنا العربية بكل ما يكتنفها من الظروف والملابسات. لقد اطلع كتاب ومثقفون في العالم العربي على كتابات تبين الآثار السلبية والضارة التي تترتب على المعالجة المتسرعة الضحلة لموضوع من المواضيع او على التبني المندفع لفكرة او منهج او مذهب او مبدأ. من مواضيع البحث الهامة مسألة مدى تأثير قراءة بحوث في الميدان الاجتماعي النفسي في السلوك الفكري للقاريء، لقد اجريت دراسات في هذا المجال في الغرب، ولا يمكنني ان اعرف على وجه الدقة مدى تأثر الكاتب العربي بالدراسات المحذرة من الآثار السلبية المترتبة على عدم التروي في طرح الفكرة او التحمس الشديد لفكرة من الافكار عند الكتابة. ولو كانت الحركة النقدية العربية اقوى واشد تطوراً ونضوجاً لكان لها دور اكبر في غربلة ذلك الفكر والتصدي له وكبحه وتقييد اثره. لعل ذلك يبين الاهمية الكبيرة لتعزيز الثقافة الوطنية العربية الاصيلة المنفتحة والمتفاعلة تفاعلاً ايجابياً مع محيطها ويشير ذلك ايضا الى مسألة التزامن في تعرض شعب من الشعوب او مجتمع من المجتمعات للتأثيرات الخارجية من ثقافية او سياسية او اقتصادية او خلقية. ونتيجة غلبة الفكر الغربي وشيوعه لدى فئات من الشعب العربي على حساب الفكر الكائن في المخزون الحضاري العربي، شعر المؤيدون لفكر هذا المخزون ـ وكان من الطبيعي ان ينشأ هذا الشعور لديهم ـ بأن ذلك المخزون لم يوف حقه وبأنه لم يعامل معاملة حسنة وبأن ظلما يلحق به وفكراً اجنبياً ينافسه ويزاحمه ويلاحقه ويعاديه. وتبنى اولئكم الكتاب العرب لذلك الفكر دون ان يكونوا واعين بتاريخية الافكار، ودون ان يكونوا ملتفتين الى العنصر الايديولوجي الغربي الكامن فيها والى تداعيات تبني ونشر تلك الافكار على الحالة الاجتماعية والفكرية والثقافية للعرب. ولكل تجربة انسانية تاريخيتها.. وديناميكية الحياة الاجتماعية النفسية الطبيعية هي التي تقرر نشوء الظواهر الاجتماعية وتطورها وتغير الظروف الاجتماعية ولان لكل تجربة انسانية تاريخيتها فالتجارب الانسانية نفسها لا تتكرر، وقد تتشابه هذه التجارب، فعوامل الحياة دائمة التغير في ظل الزمان الجاري مما يؤكد تاريخية الظواهر ويؤكد استحالة تكرار الحالات نفسها.