الحرب المعلنة دوليا ضد الارهاب لها تأثير سلبي مباشر في الحركات الوطنية التي تسعى الى الاستقلال، ولأن هذه الحركات هي، في الغالب، حركات سياسية مختلف على الوسائل التي تتبناها في المقاومة وشق طريقها للتحرر، ومنها استخدام العنف، فهي تجد نفسها في اللحظة الراهنة محط اتهام من غالبية الاسرة الدولية، وموضع ملاحقة من الدولة او الدول التي تناصبها العداء. وهناك امثلة عدة على مستوى العالم لحركات سياسية شبه عسكرية ابرزها المجموعات المسلحة في كشمير، والجيش الايرلندي في شمال ايرلندا، ومجموعات المقاومة في فلسطين... وغيرها. السقوط المذهل وغير المتوقع للاتحاد السوفييتي اضاف الى معضلة حركات التحرير وما يشابهها من حركات اعباء غير متوقعة، ففي الماضي، قبل عشر سنوات فقط، كان هناك في المجتمع الدولي من يستطيع ان يقول ان حركات التحرير هي حركات وطنية لها مطلق الحرية في استخدام الاداة المناسبة من اجل الوصول الى اهدافها، وكان استخدام العنف امرا مبررا تحت شعار التحرير. وهناك حركات تحرير قليلة استخدمت المقاومة الشعبية السلمية للوصول الى اهدافها، منها حركة تحرير الهند التي طالبت بالاستقلال بقيادة رجل السلم المهاتما غاندي، في أواسط القرن العشرين، وفي التاريخ اللاحق حركة تحرير جنوب افريقيا التي قاد نضالها نيلسون مانديلا. اما معظم حركات التحرير الاخرى من كوبا الى فيتنام، مرورا بالجرائر وغيرها من دول القارة الافريقية، فقد استخدمت العنف والعنف المضاد، كطريق وحيد للتحرير. تحول عالمي بعد الحادي عشر من سبتمبر اتضح للجميع ان تيار ادانة العنف (الذي سمي بالارهاب) هو ادانة عالمية تجمع عليها كل الاطراف الدولية، وذلك لاسباب كثيرة، ومنها بالطبع تفرد الولايات المتحدة بوضع الاجندة القيمية والقانونية للعالم، وقد اثارت الطريقة غير المتوقعة والعنيفة التي انتهجت في الاعتداء الذي استهدف الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، رفضا عالميا غير مسبوق لتيارات العنف مهما كانت منطلقاتها ودواعيها. وحتى تحرير الاوطان باستخدام العنف اصبح مرفوضا رفضا باتا في ضوء الحالة النفسية التي تعيشها اكبر دولة في العالم اليوم، ويناصرها حلفاؤها في ذلك. بعض حركات التحرير والمجموعات التي تبنت العنف في الماضي من اجل تحقيق اهدافها تنبهت الى اهمية استخدام تكتيكات اخرى في ضوء التحول السياسي والنفسي الذي اجتاح العالم، ومن هذه المجموعات جيش تحرير ايرلندا الشمالية الذي اصدر بيانا غير مسبوق على مدار الثلاثين سنة الماضية، وهي سنوات عمر هذا التيار السياسي ومسيرته التي تسعى الى تحقيق استقلال شمال ايرلندا عن بريطانيا والحاقه بإيرلندا، الوطن الام، بعد ان استخدم افظع اشكال العنف سواء في منطقته، مقاطعة شمال ايرلندا، او على ارض الجزر البريطانية كلها، بل بلغ العنف لديهم حد اقدامهم على قصف مقر رئيس الوزراء البريطاني، ناهيك عن محاولته الشهيرة لنسف الفندق الذي كانت تحل فيه مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في مدينة برايتون لحضور مؤتمر حزب المحافظين منذ سنوات، وذهب ضحيته مجموعة من السياسيين البريطانيين، وقد كانت هذه المحاولة هي الفعل الاكثر شهرة في استخدام العنف من قبل منظمة الجيش الجمهوري الايرلندي. هذه الحركة المسلحة القديمة اقرت في بيان اعلن في الاسبوع الماضي اعتذارا للمدنيين الذين قتلوا من جراء عملياتها المختلفة، لقد قال البيان «اننا نقدم عميق اعتذارنا وأحر تعازينا لكل اسر المدنيين الذين قتلوا في اثناء قيام الجيش الجمهوري باحدى عملياته». وتقدر البيانات الموثقة ان نحو ألف وثمانمئة شخص قد سقطوا قتلى منذ الستينيات على يد الجيش الجمهوري، كان منهم على الاقل ستمئة وخمسون شخصا من المدنيين. هذا الاعتذار جاء على لسان الجيش الجمهوري في الاسبوع الماضي وقبل ايام قلائل من الذكرى الثلاثين لمذبحة مشهورة في ايرلندا اقترفتها تلك الجماعة، وقد سميت المذبحة «الجمعة الدموية» وكانت جماعة الجيش الجمهوري قد نفذتها في مدينة بلفاست عاصمة الاقليم يوم الجمعة الحادي والعشرين من يوليو سنة 1972. استباق جيش ايرلندا الجمهوري لهذه الذكرى الدامية بهذا البيان الاعتذاري، هو عمل سياسي من الدرجة الاولى يدل على فهم حقيقي لتبعات الحادي عشر من سبتمبر، فلولا احداث سبتمبر الماضي لما اضطر الجيش الجمهوري الى ان يقدم على هذا الاعتذار العلني الذي يسحب من مناوئيه ـ ولو جزئيا ـ القدرة على ربط اعماله، التي يميزها العنف، بالارهاب الدولي. عكس التيار حدث عكس ذلك في مناطق اخرى من العالم، فالجماعات المحاربة في كشمير لم تستفد من دروس الحادي عشر من سبتمبر، بل ارادت ان «تصطاد في الماء العكر» كما يقال، فورطت البلد الاكثر تعاطفا معها وهو باكستان في مواقف عدوانية مع الهند وحلفائها الغربيين، حيث ارتكبت هذه الجماعات اعمالا لم تستهدف فقط الاقليم المتنازع عليه، بل انها ضربت في عمق الديمقراطية الهندية باستهداف رمزها، البرلمان الهندي. في فلسطين، ومباشرة بعد الحادي عشر من سبتمبر، خرجت تظاهرات كالعادة تزغرد فيها النسوة فرحة بنجاح «الغزوة المظفرة»!. وسرعان ما اكتشفت قيادة المنظمة خطورة هذا المنحى وحساسيته، فتلاشت التظاهرات غير ان هناك موقفا جديدا كان ينبغي ان تظهره القيادة الفلسطينية باتجاه رسم استراتيجية جديدة وأخذ زمام المبادرة في الظروف الدولية المتغيرة... لكنها تركت الامور وكأن الاتحاد السوفييتي لا يزال قائما، وكأن الدنيا لم تتغير. وسارت الاحداث، كما شهدناها، حتى اليوم، حيث انقلب فعل التحرير الى «ارهاب» في نظر العالم، وسوق ذلك على نطاق واسع، فشلت في فهمه بعض القوى التي تنقصها النظرة الجادة والواقعية للفضاء الدولي وما يتحرك فيه وحوله، حتى بلغ الأمر ذروته في ما نشاهده امامنا من تطويق للمدن الفلسطينية واذلال غير مسبوق للمواطن الفلسطيني، بالاضافة الى صدور تعليمات دولية بمنزلة قوانين صارمة يتعين على الشعب الفلسطيني الانصياع لها! معادلة جديدة في زمن الكتلتين الغربية والشرقية (الذي ولى منذ سنوات) كانت هناك قواعد ونظم في الكيان الدولي، ربما لم تكن عادلة في نظر البعض، ولكن على الاقل كانت هناك قواعد متعارف عليها ونظم متبعة لتحديد اطار اللعبة. اما اليوم فالقواعد والمفاهيم الدولية يعاد بناؤها من جديد، ولم تتشكل بعد، ويقوم البناء على كتف طرف واحد هو الولايات المتحدة. في النظام الدولي السابق (ذي الرأسين) كان الرأسان كلاهما معروفين، بحيث تستطيع الدول ان تحدد مع اي رأس تريد ان تدخل المخدع، اما اليوم فإن الطرفين اللذين يقرران اجندة العالم احدهما طرف معروف (الولايات المتحدة) والآخر طرف غير واضح المعالم (الارهاب) وهو طرف غامض وغير محدد او معروف. وقد كانت القواعد توضع بالتوافق بين قوى تعرف كل منها الاخرى، اما اليوم فإن القوى الغامضة تنفر المجتمع الدولي من افعالها، ويصبح كل عنف عملا معاديا للسلام. أمام هذه المعادلة الجديدة استطاعت بعض حركات التحرير ان تعي الدور وتتكيف معه، كما حدث في جنوب السودان وايرلندا الشمالية، بينما ظل يسير بعضها على الدرب القديم دون خارطة تحليلية تقود عمله، فانتهى الى وضع لا يحسده عليه احد، كما هو وضع السلطة الفلسطينية التي سفح دم شعبها مدرارا امام بطش عدو لا يرحم، بينما لا يزال بعض قادة «السلطة» يتغنون بأفكار سقطت مع اول اخبار اعتداءات «الحادي عشر من سبتمبر 2001» ولم يستطيعوا حتى الآن بناء استراتيجية جديدة تستجيب للمتغيرات العميقة التي جرت في العالم. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت