بدون حين يقال عن العرب انهم اصبحوا امة صوتية، تبدع في الكلام، ولا تجيد العمل. تجد هناك من يتململ، ويشيح بوجهه، ويضيق ذرعاً من سماع هذا الحكم الذي يعده جائراً، ويراه ابعد ما يكون عن الصواب! ولو سألت هذا المتحمس لرفض مثل هذا الرأي، والذي يبدو عليه الايمان بان العرب مازالوا يجيدون الافعال تماماً كما يجيدون الاقوال، عن الادلة والبراهين التي يملكها على صحة قناعاته، فانه سيحتار في اعطائك ادلة دامغة على حيوية الشعوب في مجال العمل الجاد المنطلق نحو المستقبل بخطوات مدروسة ومنظمة!! ان الواقع ـ مع الاسف البالغ ـ يؤكد المقولة السائدة بان العرب غدوا ظاهرة صوتية، فهو يعبر عن الهوة البعيدة بين الاقوال وبين الافعال كما انه يعكس حالة من اللجوء الى الهروب، والاعراض عن صوت الواجب الذي ينادي ويلح في النداء!! فلو فتحنا على سبيل المثال ملف العلاقة بين الشعوب، والقضية المحورية التي يقوم عليها جوهر الصراع في المنطقة، لوجدنا ان الظاهرة الصوتية هي الوصف الاكثر قدرة على الدلالة على الكيفية التي تعبر بها تلك الجموع عن انتمائها وعاطفتها لفلسطين. ان الصوت هنا هو السلاح الاكثر مضاء وحدة، وهو الوسيلة التي لها من الحضور على صعيد العمل الجماهيري النصيب الاوفى. من اوضح الامثلة على هذا القول، تلك المظاهرات التي خرجت قبل شهور معدودة، وملأت الشوارع والازقة، وعلا الهتاف فوق الرؤوس، وتناقلت الموجات الصوتية، ومعها الفضائيات العربية والعالمية تلك الهتافات التي شقت عنان السماء تضامناً واعلانا عن الحب العميق لكل ما له صلة بفلسطين ارضا واناساً وتاريخاً يقطر دماً، وينزف اسى ولوعة. الا ان ذلك الصوت خبا، وسكن، او انه أراد ان يستريح، ثم يعاود الكرة من جديد غير ان الاقرب الى التصور هو ان هذا الهدوء نتج عن الاعتقاد بان الرسالة التي ارادوا اسماعها للعالم قد وصلت الى جميع من هم على ظهر هذا الكوكب الصغير. وبما ان سلاح الصوت سرعان ما يفقد قوته، امام قسوة الواقع، ودموية الصراع، فان عودة الهدوء الى الشارع العربي كان امراً متوقعاً. غير ان السؤال، هل كان ذلك السلاح الصوتي هو آخر سهم في كنانة الملايين الذين رموا به اعداء فلسطين؟ الجواب حتما لا، فلقد حرّكت تلك الشعوب عاطفة مازالت «حاضرة» في قلوب الكثيرين، غير ان ما ينقص هذه العاطفة هو اكتفاؤها ـ في احيان كثيرة ـ بأقل قدر من مساحة التعبير على ارض الواقع، مع اختيارها للوسائل المحدودة الاثر، والتي تعتمد على اسلوب التنفيس عن الانفعال اكثر من اعتمادها على الاساليب التضامنية ذات الاثر البعيد، الطويلة المدى، والمدروسة الخطوات. هذا القدر من القناعة باليسير من الجهد لصالح القضايا القومية يتجلى في العديد من اختيارات الحياة، وفي الكثير من التصرفات التي تنم عن خذلان واضح، وتجاهل شديد لصوت الواجب الذي يلح في كل ظرف وحين. فأنت ترى ان هذه العاطفة تختبيء وتتوارى حين يستدعي الظرف الاعلان عن وجودها، والاصغاء لصوتها ومطالبها، فهي تغدو خياراً معزولاً في كثير من الحالات، منها حين يكون الموقف متعلقا بقرارات شخصية مثل قرار الزواج، ففي مثل هذه الحالة لا ترى ـ لدى الكثيرين ـ اي ممانعة في ان يهدروا اموالا طائلة في هذا المشروع الاجتماعي الذي دخل الكثيرون فيه حلبة المنافسة الشديدة بدءاً من طقوسه التي دخلت في موجة مزايدات لا نهاية لها، وانتهاء بتلك العروض المهجنة التي تهدف الى شد الانتباه واثارة الفضول بغض النظر عن حجم المال الذي انفق في جلب هذه العروض الانتهازية. ولو اردت ان تسأل عن الاموال المهدرة فلن يتاح لك ان تحظى بإجابة، ولا بنصف اجابة من فم من وجهت لهم السؤال قاصدا النصح لا غير، حيث سيقطب لك الجبين، وتتهم فوراً بأنك شخص حاسد غيور، جيبك مثقوب، ولا تقوى على التقليد والمحاكاة، لذلك فأنت تنفس عن عقدة النقص لا اكثر حين تسأل مستغربا: وهل تستدعي المناسبة كل هذا الاستنزاف لموارد مالية كان يمكن ان تستثمر في التأكيد على الاحساس البعيد بالادوار الاستثنائية التي يمكن ان يقدمها الافراد من اجل القضايا الكبرى والمحورية. حقاً انه لشيء مؤلم ان تكون الامثلة العملية على وجود عاطفة قومية مع وقف التنفيذ اكثر من ان تحصى!!