شهر يوليو ... شهر عزيز عندي واثير على قلبي.. وهو حافل بذكريات تدعو الى التأمل والى تدفق خواطر عديدة، فقد شاءت الاقدار ان اشهد بعض الاحداث المهمة، التي وقعت في هذا الشهر وان اشارك في بعضها الآخر على مدى سنوات العمر الحافلة بالافراح والاتراح. ففي ذلك الشهر العزيز تكلل كفاح الشعب العربي في مصر بقيام ثورة 23 يوليو عام 1952، غير ان السنوات التي سبقت قيامها كانت هي الاخرى حبلى بإرهاصات الغضب والثورة وكنت آنذاك طالبا في مدينة الاسكندرية حيث كان جنود الاحتلال البريطاني مازالوا يجثمون على قلبها وكنا نقاتلهم بقنابل المولوتوف وكانوا يقتلوننا برصاص مدافعهم الرشاشة من طراز يسمى «فيكرز» او برصاص جنود البوليس السياسي المصري. غير ان اعظم اللحظات التي مازلت اذكرها حتى اليوم، كانت عندما كنا نسير في مظاهرة حاشدة تحيط بنا حاملات جنود الشرطة المصريين وعندما اصدر ضابطهم امره اليهم بإطلاق النار علينا نكس الجنود بنادقهم ورفضوا اوامر الضابط رغم لسانه الطويل الذي انطلق بأقذر الشتائم للجنود، وتعبيرا عن امتناننا لهم وتعاطفنا القلبي معهم مثلما تعاطفوا وطنيا معنا، هجمنا على ذلك الضابط سليط اللسان واشبعناه ضربا ونزعنا عنه مسدسه الذي كان يختال به، واخذ الجنود يهللون تشفيا فيه، ومالبثوا ان انضموا الى هتافاتنا الوطنية الملتهبة. كانت تلك سنوات عظيمة، حافلة بالكفاح والنضال حتى فوجيء الجميع فجر 23 يوليو ببيان الثورة الاول، وانطلقنا نعانق بعضنا البعض ونهلل ونوزع اكواب «الشربات» احتفالا وابتهاجا بذلك اليوم المنتظر. ولقد كان من حسن حظي ان اشارك بعد السنوات الاولى للثورة بالعمل في اذاعة صوت العرب كواحد من جنودها، وكنا جميعاً في اسرة الاذاعة، نعتبر انفسنا جنوداً بالفعل في معارك العروبة الى جانب الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. وكان اهتمامه ـ رحمه الله ـ بصوت العرب اهتماماً كبيراً اذ كان يعتبرها واحدا من اهم اسلحته السياسية، واذكر انه قال في يوم 3 يوليو عام 1956 ـ بعد ثلاث سنوات من انطلاق الاذاعة ـ قال بالحرف الواحد: «لقد اطلقت مصر صوت العرب لتدخل المعركة ضد الامبريالية ولكي تكون شوكة في ظهر الخونة». وتخطر في بالي على الفور قصة طريفة تكشف مدى اهتمام عبد الناصر بإذاعته العربية، فذات يوم كان احد محرري الاخبار الجدد مناوبا بالليل، وقبل موعد آخر نشرة اخبار في الثانية والربع بعد منتصف الليل رن جرس الهاتف، ورفع زميلنا السماعة فسمع شخصاً يسأله عن آخر الاخبار لديه، فرد زميلنا بقوله «انا مش فاضي لك» ووضع السماعة، فرن الهاتف مرة اخرى واذا بصاحب الصوت نفسه فسأله المحرر «انت مين؟» فرد صاحب الصوت قائلاً «انا جمال عبد الناصر» فرد عليه المحرر بغضب «وحياة ابوك انا مش فاضي للهزار السخيف ده» واغلق الهاتف وانهمك في تحرير النشرة وله عذره اذ لم يتبق الا دقائق على موعدها وهو وحده في المكتب. واتصل عبد الناصر بمذيع استديو صوت العرب ـ وهو احد القدامى فيها ـ وذهب المذيع الى المحرر ليقول له: ماذا فعلت فشرح له المحرر ان احد السخفاء كان يضيع وقته بالمزاح ويزعم انه عبد الناصر. ولما عرف زميلنا انه هو بالفعل سقط قلبه في جوفه واذا بالرجل الكبير يتصل مرة اخرى بعد ان عرف من المذيع القديم ان المحرر حديث في عمله معنا واخذ يطيب خاطره ويزيل مخاوفه قائلا له: «انت صح... مش اي واحد يكلمك تفشي له اسرار عملك» واخذ عبد الناصر يمزح مع الشاب المبتديء حتى اطمأن قلب الشاب المسكين. خلاصة الامر ان عبد الناصر كان بالفعل لا ينام الليل وكان يترك رقم هاتفه الخاص الموجود بجوار سريره لنا ويفوضنا بالاتصال به في اي وقت في حالة وجود اخبار مهمة، ثم شاء الرئيس السادات ان يكسر هذا التقليد بعد ان حل محل الزعيم في رئاسة الجمهورية، ويقول لنا زملاؤنا الذين عملوا معه إنه اصدر اوامره بألا يقلقه احد بعد التاسعة مساء مهما كان الامر.