من نادر أقوال عمرو بن عبيد في الزهد والوعظ والإرشاد قوله للخليفة المنصور:إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها وإن هذا الذي أصبح اليوم في يدك لو كان مما يبقى على الناس لبقي في يد من كان قبلك ولم يصر إليك فاحذر ليلة تمخض بيوم لا ترى بعده إلا يوم القيامة. فبكى المنصور لوعظه وقال: يا أبا عثمان سل حاجة؟ قال: حاجتي ألا تعطيني حتى أسألك ولا تدعني حتى أجيئك. قال: إذا لا نلتقي أبداً. قال عمرو: فذاك أريد. وقال له المنصور يوماً عظني. فقال: بما رأيت أم بما سمعت ؟ قال: بما رأيت قال عمرو: رأيت عمر بن عبد العزيز وقد مات فخلف أحد عشر ابناً وبلغت تركته سبعة عشر ديناراً كفن منها بخمسة دنانير واشترى موضع قبره بدينارين وأصاب كل واحد من ولده دون الدنيا. ثم رأيت هشام بن عبد الملك وقد مات وخلف عشرة ذكور فأصاب كل واحد من ولده ألف ألف دينار. ورأيت رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز وقد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ورأيت رجلاً من ولد هشام يسأل الناس ليتصدقوا عليه. ـــــ حفظ الأمانة لما أراد امرؤ القيس المضي إلى قيصر ملك الروم، أودع عند السموأل دروعاً وسلاحاً وأمتعة، تساوي جملة كثيرة، فلما مات امرؤ القيس أرسل ملك كنده يطلب الدروع والأسلحة المودعة عند السموأل، فقال السموأل: لا أدفعها إلا إلى مستحقها، وأبى أن يدفع إليه منها شيئاً، فعاوده، فأبى وقال: لا أغدر بذمتي، ولا أخون أمانتي، ولا أترك الوفاء الواجب علي فقصده ذلك الملك من كنده بعسكره، فدخل السموأل في حصنه وامتنع به فحاصره ذلك الملك. وكان للسموأل ولد خارج الحصن فظهر به الملك وأخذه أسيراً، ثم طاف حول الحصن، وصاح بالسموأل، فأشرف عليه من أعلى الحصن فلما رآه قال له: إن ولدك قد أسرته، وهو ذا معي فإن سلمت إلي الدروع والسلاح رحلت عنك، وسلمت إليك ولدك وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر! فاختر أيهما شئت. فقال له السموأل: ما كنت لأخفر ذمامي، وأبطل وفائي، فاصنع ما شئت! فذبح ولده، وهو ينظر. ثم لما عجز عن الحصن رجع خائباً. واحتسب السموأل ذبح ولده، وصبر محافظة على وفائه؛ فلما جاء الموسم. وحضر ورثة امريء القيس، سلم إليهم الدروع والسلاح، ورأى حفظ ذمامه، ورعاية وفائه أحب إليه من حياة ولده وبقائه! وقال في ذلك: وفيت بأدرع الكندي إني إذا ما خان أقوام وفيت