لا ندري سر ذلك الشغف الغريب من جانب معظم الثوار والراديكاليين بشهر يوليو (تموز) كي يختاروه ـ على اختلاف الامصار والاقطار والحقب الزمنية والثقافات ـ موعدا لانجاز التحولات الكبرى التي اقدموا عليها. لأمر ما اتفق ثوار فرنسا على ان يحطموا سجن الباستيل الشهير يوم 14 يوليو (تموز) من عام 1789 ومن يومها اعتبروه موعد اندلاع الشرارة الأولى لثورة فرنسا الكبرى. وربما سبقهم بسنوات قليلة اصدقاؤهم الأميركان من أهل العالم الجديد كما كانوا يسمونهم في تلك الايام فاختاروا يوما لافحا وموعدا قائظاً اخر من حوليات يوليو ايضا هو يوم 4 يوليو موعدا ما برحوا يحتفلون به في صيف كل عام عيدا لاستقلال أميركا وتخليصها وانعتاقها من نير وبطش الاستعمار البريطاني. في ربوعنا اليعربية السعيدة اختار العم عبدالناصر يوم 23 يوليو واختار أهل العراق يوم 14 يوليو وكأن لفح بغداد الـ «تموزي» لم يكفهم قرب منتصف الشهر فعاودوا الاختيار يوم 17 يوليو. أهل اليمن بذكائهم الفطري المعروف تريثوا قليلا، وربما عمد (أبويمن) الى تفويت مواسم الحر والرطوبة فانتظر الى أواخر شهر سبتمبر (26 منه) لكي يقدم على فعل الثورة وقد اعتدلت اجواء صنعاء واصبح النسيم رقيقا وعليلا فوق هامات الجبال اليمنية من صعدة الى صرواح ومن مناخة شمسان. وربما كان الرئيس الروسي أسعد حظا من قومنا اليعاربة فقد درجوا على أن يحتفلوا بعيد الثورة البلشفية الكبرى في شهر أكتوبر وهو بدايات شتاء معقول في احتفالهم في حين انه بدايات خريف رفيق وشفوق في بلادنا.. طبعا كانت احتفالاتهم بثورة أكتوبر من عام 1917 صاخبة.. مفعمة بالحيوية أيام الحقبة السوفييتية ثم آلت الى مناسبة لا يذكرها الا المخضرمون وتكاد دوائر الكرملين الرسمية تحييها من تحت الضرس وعلى استحياء شديد. وفي كل حال.. فها نحن نحتفل بالعيد الخمسيني لثورة 23 يوليو من عام 1952. ولا ندري لم تضرب الميديا المصرية صفحا عن لفظة (العيد) وهي كلمة جميلة ومبهجة وتصر على استخدام اليوبيل الذي لا تلبث صحافة مصر ان تزوقه قائلة انه (اليوبيل الذهبي).. بدلا من عبارة (العيد الذهبي) الأجمل والأفصح والأقرب الى فهم الناس ووجدان الناس. ورغم ان اليوبيل «جوبيلي» في لغات الفرنجة كلمة يحب ان يتشدق بها أهل الثقافة والبلاغة في ربوعنا السعيدة كيف لا. وهي اعلان مجاني ـ كما قد لا يخفى ـ عليك عند الاطلاع على لغات الغرب وطروحات الغرب.. الا اننا نحب ان ننبه في هذا السياق المتواضع الى ان الكلمة ذات أصل لا نحبه وقد انحدرت الى قاموسنا من واقع اشتقاق لا يجوز لعربي ان يقره دع عنك ان يشيعه في الرطانة أو الكتابة بين الناس. (يوبيل) ـ يا مولانا كلمة جاءت من القاموس اليهودي وهي مشتقة من مادة اللغة العبرية ـ وكأنما كان هذا ينقصنا ـ هي يوبيل وتعني الحمل ـ الخروف الصغير ثم ضاق استخدامها لتعني قرون الكبش وكان اليهود يستخدمونها اداة ينفخون فيها لاعلان قدوم سنة جديدة أو حلول موسم جديد. وبعدها استعارت اللاتينية كلمة يوبيلاوس لتعني السنة ثم اعارت هذا كله ـ كما يقول قاموس اكسفورد الكلي الاحترام ـ الى الفرنسية القديمة، وبعدها الى الانجليزية العصر الوسيط الى ان تناهت الى لغات الفرنجة في الزمان المعاصر ومنها طبعا ـ بحكم الاستيراد اللغوي المنبهر ازاء بضاعة الخواجا الأوروبي المتسيد على عقولنا ـ الى عمود العربية المعاصرة. لهذا فنحن نصر ـ من جانبنا المتواضع على الأقل ـ على الاحتفال بالعيد الذهبي ـ الخمسيني لثورة 23 يوليو. ولسنا في هذا المقام المحدود ـ بصدد تقييم هذا الحدث الجليل الكبير ـ وحسبنا ان نقول ان الثورات ـ بمعنى الحركات السياسية ـ الاجتماعية الكبرى.. تندلع وتحفر مسارها في أرضية الواقع ونتعلم كل يوم من خبر التاريخ.. تصيب كثيرا وتخطئ كثيرا شأن أي كسب بشري ـ لكن ـ يبقى منها خلاصة تظل عنوانا لاجتهادها، وتعيش من بعدها منظومة من القيم والمعاني والمواقف هي التي تخلد ذكراها في كتاب الزمان. يصدق هذا على ثورة عبدالناصر التي تتذكرها اليوم ـ بعد 50 عاما ـ أجيال شتى في بقاع شتى من اراضي العرب وكوكب الارض.. وعندنا أن خلاصة 23 يوليو.. وأنصع قيمة جاءت بها وارتبطت بمسارها ـ يمكن ان تتلخص في العبارة التي لخص بها كاتب بريطاني اسمه ويلتون واين سيرة جمال عبدالناصر حين اصدر كتابه الشهير بعنوان هو: قصة البحث.. عن الكرامة. ولهذا فنحن نذكر عبدالناصر وثورته، واجتهاده حين تحل أيام يوليو من كل عام. مشكلتنا ان عبدالناصر اختار هذه الأيام المشبعة بالحرارة والرطوبة لكي يتم فعل الثورة.. وحين أراد أن يحقق انجازه التاريخي الآخر وهو تأميم قناة السويس.. عاود اختيار يوليو من جديد.. وكأنما ليس في مواقيت الروزنامة ومواسمها شهور خريفية أو ربيعية أو حتى شتوية أخرى فكان ان اعلن التأميم يوم 26 من يوليو. لكن المسألة كانت قضا أخف من قضا كما يقول المصريون. ربما حاول ناصر ـ من حيث كان يدري أو لا يدري أن يصلح الأمر ما استطاع الى ذلك سبيلا.. فشهدت بدايات عصره تخليا عن لبس ذلك الشئ الغريب الذي كان المصريون ومن قبلهم العثمانيون يضعونه فوق رؤوسهم.. ويكبسون به هاماتهم رغم مواسم الحر والعرق الرهيبة ـ ذلك الغطاء الأحمر المصنوع من أصواف الجوخ (تصور!) وكان اسمه.. الطربوش وكان أيامها علامة على الاحترام ان لبسته محبوكا فوق رأسك وخاصة حين تتهيأ لمقابلة الأقيال والسادة الحكام أو علامة على الاناقة والفتاكة والذي منه أن لبسته معووجا بعض الشئ على طريقة محمد عبدالوهاب (راجع أفلامه الأبيض والأسود) فإن انحدر الطربوش في عوج شديد الى حيث مقدمة الرأس واعلى الجبهة.. فتلك علامة الهزل أو الفوضوية أو اللامبالاة على طريقة الممثل القديم بشارة واكيم. وحين خرج عبدالناصر على الناس بغير طربوش.. كان في ذلك اعفاء من ذلك الساتر الصوفي الاحمر.. ذي الزر الحالك الأسود الذي كانوا يكبسون به رؤوسهم.. فما بالك لو كنا متمسكين به، لا نزال، نحتفل في الوقت نفسه وسط هذا اللفح المندلع من حولنا بالعيد الذهبي أو الزبرجدي بثورة يوليو؟ بل ان عبدالناصر مالبث ان اضاف الى مآثره في هذا الباب فضلا لا ينسى: فعندما انتدبوا الفقير كاتب السطور من اذاعة صوت العرب للعمل خبيرا متفرغا في مكتب الزعيم ناصر للشئون العربية برئاسة الجمهورية.. وقع الفقير المذكور اعلاه في مشكلة الزي البالغ الاحترام لزوم القيافة في ديوان رئيس الجمهورية.. كنا في صوت العرب شبابا نرتدي ما تصل اليه أيادينا من ثياب بسيطة كانت وربما رخيصة السعر ولكن حسبنا ان تكون نظيفة ولائقة بمذيع أيام كان المذيع له مكانة في الهيئة الاجتماعية.. لكن دهاقنة البروتوكول في الرئاسة ضيقوا علينا.. حين شددوا على حكاية البدلة الكاملة والكرافتة المحكمة الزناج وربما نسوا أن يضيفوا المنديل الأبيض مطلا من جيب السترة العلوي على طريقة أنور وجدي أو حسين صدقي في أفلام.. الأربعينيات. من أهل المراسم في ديوان عبدالناصر من كان موروثا من أيام العهد الملكي أيام بروتوكول الباشاوات أصحاب المقام الرفيع.. وكان في حكاية البدلة الكاملة عنت أي عنت.. سواء من ناحية عدد البدلات التي نحتكم عليها أو ضراوة الطقس التي لا تحتملها العنق الخانقة. ولم تمض سوى أيام من الضيق والمرارة وبعدها جاء الحل من أوسع الأبواب.. يومها طلع جمال عبدالناصر على الناس مرتديا قميصا أبيض بسيطا فوق البنطلون.. بل انه كان يلبسه في مناسبات رسمية. وطبعا لم نكذب خبراً بل ذهبنا الى مكتب رئاسة الجمهورية مرتدين بدلة السفاري المصنوعة من قطن أو كتان من نتاج مصانع كفر الدوار أو المحلة أو شبرا الخيمة.. القماش مناسب والسعر معتدل وطبعا كانت القدوة والنموذج هي قميص.. عبدالناصر! وربما كتم أهل البروتوكول الرئاسي غيظهم وهم يرون حلل الكتان الرخيص وقد ظهرت في أروقة الرئاسة ودهاليزها ولا كان بمقدورهم أن يقولوا كلمة فلا أحد يستطيع أن يزايد على زعيم الثورة بجلالة قدره.