يرى المحللون انه بدلاً من ان يشكل خطاب الرئيس الاميركي جورج بوش مشروعاً جدياً لتسوية ازمة الشرق الاوسط في صورة عامة، وانهاء الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي في صورة خاصة، تحول الى عقبة رئيسية في طريق الحل، نظراً لما تضمنه من آراء ومواقف واحكام لا تساعد على الاطلاق في ايجاد اسس سليمة لتسوية عادلة وشاملة ومقبولة من الطرفين فالانحياز الى احد الطرفين، وهو الطرف الاسرائيلي طبعاً، يحول دون انتاج اية معطيات ايجابية يمكن توظيفها في المساعي الدولية المبذولة، الا اذا كان الهدف حمل جميع القوى العالمية المتدخلة على تمثل الموقف الاميركي وتنفيذ مضمونه حرفياً، بغض النظر عن مدى استجابته لمبادئ العدالة والاخلاق والشرعية الدولية وحقوق الجانب المعتدى عليه، وهو الشعب الفلسطيني، او امكانية تحويله الى اجراءات تنفيذية قابلة للتطبيق. ومن الواضح ان الرباعية الدولية، المؤلفة من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي والامم المتحدة، كانت اول من اصطدم بعقبة خطاب الرئيس بوش والتزاماته غير المنطقية لمصلحة الجانب الاسرائيلي، فالرئيس الاميركي لم يدخل عبر احكامه المتحيزة، في مواجهة مع الشعب الفلسطيني فحسب، بل هو سجل وقوفه والاطراف الدولية الوسيطة على طرفي نقيض، ولم يترك اي فرصة لعمل مشترك معها في سبيل تحقيق تسوية عادلة متفق عليها. مع ذلك فإن الرباعية التي جددت اجتماعاتها في نيويورك، برغم كل ما احدثه خطاب الرئيس جورج بوش من ردود فعل سلبية، حاولت ان تجد بعض «الثغرات الايجابية» في الموقف الاميركي لتنفذ منها نحو اسس للتسوية يمكن ارساؤها والبناء عليها لاحقاً، مستفيدة من العناصر الايجابية التي قد ينطوي عليها الموقف، المختلف نسبياً، لوزير الخارجية كولن باول، حتى وان بات هذا الموقف يشكل حالة شبه معزولة، او محاصرة، داخل الادارة الاميركية الحالية. وقد تكون النتيجة الايجابية التي حققتها الرباعية في هذا المجال هي حمل الوزير باول على تبني موقف مغاير لذاك الذي اكده الرئيس بوش في خطابه، عندما تحدث عن «توازي» المسارات الثلاثة: الامني والسياسي والاقتصادي، بينما كان الرئيس الاميركي اكد ان الامن الاسرائيلي وحده يحظى بالأولوية لديه ويتقدم ـ في نظره ـ على الجانب السياسي في الصراع، وهو ما يعتبر تطابقاً مع وجهة النظر الاسرائيلية. بيد ان وزير الخارجية الاميركي لم يذهب في موقفه المعلن الى حد التناقض الكامل مع توجهات بوش، بل ابدى بعض التحفظ، من خلال القول انه «قد لا يكون التوقيت في الدرجة ذاتها (بالاشارة الى توازي المسارات)، لكن المسارات الثلاثة مهمة، ونحن ملتزمون العمل عليها لإيجاد حل». مناورات اميركية لكن ما يثير المخاوف من ان يكون هذا «التباين» مجرد مناورة لتجاوز الاعتراضات الدولية، عودة الرئيس جورج بوش، حتى بعد صدور اعلانات الرباعية، للتأكيد على اولوية الامن الاسرائيلي وما يسمى الاصلاح الفلسطيني وتغيير قيادة الرئيس ياسر عرفات، برغم اصرار الاطراف الثلاثة للرباعية: الاتحاد الاوروبي وروسيا والامم المتحدة على ان الشعب الفلسطيني هو الذي يختار قيادته بالوسائل الديمقراطية، «وبما ان الرئيس عرفات منتخب شرعياً من قبل شعبه فلابد من التعامل معه». وهكذا... فإن التصريحات الصادرة عن الرئيس بوش تناقض ما يعلنه وزير خارجيته باول وما يطرحه في الاجتماعات المغلقة مع اطراف الرباعية اذ بينما يتحدث باول عن المسارات الرئيسية: الامن والسياسة والاقتصاد، يشدد بوش في كلامه على الأمن الاسرائيلي فقط، وكأن هذا الامن هو الهدف الوحيد للتسوية السلمية، من دون ان تشمل عناصر الحل ازالة الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنات والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ان بعض المظاهر الايجابية التي احاطت باجتماعات الرباعية في نيويورك، ثم تمثلت بالبيانات الصادرة عنها، لا تلغي حقيقة التناقض القائم بين الولايات المتحدة من جهة، والاطراف الثلاثة الاخرى من جهة ثانية ووزير الخارجية الروسي لم يخف هذه الحقيقة حيث تحدث عن «خلاف مبدئي» مع الولايات المتحدة، خصوصاً ما يتعلق بالرئيس ياسر عرفات. ولم يستبعد مسئول روسي ان تتحول الرباعية في حال اصرار الرئيس بوش على افكاره وتوجهاته الراهنة الى «ثلاثة زائد واحد»، او حتى الى «واحد ضد ثلاثة» وقال الوزير ايفانوف «ان الفلسطينيين وحدهم هم الذين يختارون قيادتهم، فهذا حق سيادي للشعب الفلسطيني، وعرفات هو الزعيم المنتخب انتخاباً شرعياً لهذا الشعب، وما دام بهذه الصفة فسوف نحافظ على علاقاتنا معه». والانتقادات الموجهة الى خطاب بوش وتصريحاته المتكررة في الاتجاه ذاته، لا تقتصر على اطراف الرباعية، بل تشمل آخرين داخل الولايات المتحدة نفسها وفي هذا الشأن يقول مارتن انديك مساعد وزير الخارجية الاميركية السابق ان اعلان الرئيس بوش عن رغبته التخلص من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات «ليس خطة سياسية»، ويضيف ان «القرار في شأن قضية القيادة الفلسطينية يعود الى الفلسطينيين وحدهم، ولكن بامكان الادارة الاميركية ان تؤكد انها تؤيد الساعين الى الاصلاح والى احلال مؤسسات ديمقراطية». ايجابيات.. ولكن وتلتقي هذه الانتقادات مع ملاحظات العديد من المراقبين الذين يرون ان الرئيس بوش ليس مهتماً بايجاد تسوية حقيقية ودائمة للنزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، بل ان اهتمامه ينحصر في اظهار سلوك الشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال على انه جزء من الارهاب الذي تحاربه الولايات المتحدة ولذلك لم يجد الرئيس الاميركي غضاضة في اضفاء نوع من الشرعية على الاحتلال الاسرائيلي بوصفه له انه «دفاع عن النفس» كما اعتبر ان وجود الاحتلال لا يمنع من اجراء انتخابات فلسطينية ديمقراطية وحرة، مخالفاً بذلك ابسط المبادئ الاخلاقية والسياسية التي تبشر بها الامم المتحدة وتدعو الى اعتمادها. وفي اعتقاد هؤلاء المراقبين انه كان من الممكن لجهود الرباعية ان تثمر نجاحاً في ايجاد تسوية مقبولة اذا اضفت اليها اقتراحات وتوصيات «المجموعة العالمية لحل الازمات» التي اعلنت اخيراً. وهذه التوصيات التي تشكل خطة سلام متكاملة، يتبين من عناصرها التفعيلية انها ترتكز الى الخطة التي كان الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون اقترحها في الايام الاخيرة من ولايته، وكذلك آخر ما توصل اليه الجانبان الاسرائيلي والفلسطيني في مفاوضات طابا قبل سقوط الحكومة الاسرائيلية برئاسة ايهود باراك. ومن الملاحظ ان توصيات المجموعة المذكورة تشمل اقتراحاً بنشر قوات دولية فعالة للفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين، وهو ما يضفي على التوصيات اهمية خاصة ويرفع من مستوى جديتها برغم ان اسرائيل تعارض اي توجه للاستعانة بقوات دولية، مهما كان حجمها واياً تكن مهمتها، كذلك تشمل التوصيات اقتراحاً بتقسيم القدس وجعلها عاصمتين لدولتي فلسطين واسرائيل. ومع ان خطة السلام العربية التي اقرتها قمة بيروت اقتصرت على عناوين رئيسية خاصة باستراتيجية التسوية السلمية في الشرق الاوسط، لكنها من الناحية العملية يمكن ان تضيف عاملاً ايجابياً آخر الى العوامل المعروضة، ما يشكل خطة سلام واسعة تتوفر فيها كل العناصر الضرورية لاستجابة المطالب المشروعة التي ترفعها الاطراف المعنية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني. على ان كل هذه الجهود الدولية، المتفرقة والمتكاملة في الوقت ذاته تصطدم بموقف الادارة الاميركية الداعم لحكومة ارييل شارون بدون تحفظ والاسوأ من ذلك انه بدلاً من ان يشكل هذا الموقف الدولي الضاغط عاملاً حاسماً في اجبار اسرائيل على الاستجابة لقرارات الامم المتحدة وتنفيذ الاتفاقات ذات العلاقة، تحاول الادارة الاميركية ان تجعل من نفسها درعاً تحمي الدولة العبرية من اية ضغوط، مضيفة علامة سوداء اخرى الى سجل الانتهاكات الاميركية في العالم، والدور المعيق الذي تمارسه الولايات المتحدة لتقليص دور الامم المتحدة وتقليل فرص تحقيق العدالة والامن والاستقرار، لا على مستوى منطقة الشرق الاوسط وحدها بل على المستوى العالمي الشامل. واذا كانت اسرائيل غير مهتمة، لا بسلام المنطقة ولا بسلام العالم، وقد اكدت ذلك بجميع الوسائل المتاحة لديها، فهل هذا هو ما تريده الادارة الاميركية ايضا؟ وهل هذا هو جوهر حربها المعلنة على الارهاب في العالم؟ ـ كاتب لبناني