أعلن مسئولون أوروبيون وأميركيون يوم الثلاثاء الماضي أن أعضاء اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط ينوون ارسال فريق خبراء في مجال المخابرات، من دول عدة من أجل مساعدة الفلسطينيين على اصلاح نظامهم الأمني، وسيتشكل هذا الفريق من خبراء أميركيين وضباط من مخابرات بعض الدول العربية الاخرى. خبر يصيب القارئ بنوع من ارتفاع ضغط الدم غير ذلك البسيط الذي يعاني منه البعض، وقد يؤدي هذ الارتفاع الى اهتزاز دقات القلب وعدم انتظامها، ثم تعلم بطريقة او باخرى ان هناك المزيد من السكر غير المسيطر عليه قد بات يسير في شرايينك، وقد تعلمك المعدة بطريقتها الخاصة انها ايضا مصابة بقرحة متربعة في جوفها يصعب التخلص منها، ثم تخبرك الاعصاب بأنها قد بدأت تعمل بمفردها بدون سيطرة العقل، مما يصيب الجسم والاعضاء بالرجفان الدائم، وقد يتطور الوضع الى مرض الزهايمر، حينها تكون قد بدأت تواكب الاخبار في العالم العربي وتتفاعل معها. لا أعلم حتى الان قضية صغيرة كانت ام كبيرة تدخلت فيها الاجهزة الامنية واصلحتها، وكيف تقوم بذلك وهي انشئت اصلا لتعطيل حركة عقول الناس ومراقبتهم والتحقق من ولاءاتهم ونفاقهم. ان الشعب الفلسطيني يعاني من الحصار وما يتبعه من جوع ومهانة ومذلة ونقص في الدواء والخدمات، ومع ذلك نزف له البشرى بأن ضباط المخابرات المحترمين قادمون لحل مشاكله، يالها من بشارة تسر الروح وتذهب بالعقول!! وهل الشعب الفلسطيني طلب اصلاح نظامه الامني؟ ومن الذي دمر الامن في المدن والقرى الفلسطينية؟ أليست اسرائيل؟ ولماذا لا يذهب الضباط المحترمون الى تل ابيب لإقناعها بفك الحصار والتوقف عن قتل المدنيين والانسحاب من الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ ام انها خارج المساءلة؟ لا يعلم احد حتى الان ما الذي سيفعله ضباط المخابرات في الاراضي الفلسطينية، ولكن وزير الخارجية الاميركي ذكر بأن المخابرات المركزية تعمل على وضع خطة لحماية اسرائيل من الهجمات الارهابية، ثم اضاف (بأن لدينا خطة جيدة) والوزير لم يشرح تفاصيل هذه الخطة، اما المتحدث الرسمي باسم البيت الابيض فقد قال (هناك امور ايجابية وممتعة تحصل في سبيل تحقيق السلام في الشرق الاوسط)، ولكن ماهي هذه الامور؟ وما الذي يتم طبخه؟ ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلا عن مصدر اميركي مسئول فضل عدم ذكر اسمه على حد قولها بأن (الفلسطينيين سيدربون على اجراءات الامن، وان قوات اميركية قد تكون جزءا من تلك الاجراءات ولكن بملابس مدنية). اعتقد ان الامر قد وضح نوعا ما، أليس كذلك؟ صرح الوزير نبيل شعث بان الرئيس ياسر عرفات يفكر في تعيين رئيس للوزراء للقيام بالاعمال اليومية للحكومة الفلسطينية القادمة، وقد رحب رعنان غيسين الناطق الرسمي باسم رئيس الوزراء الاسرائيلي بهذه الخطوة مضيفا اليها (بأن بقاء عرفات كرئيس مقبول طالما انه لايقف في وجه اي تغييرات قادمة). يوم الخميس الماضي فاجأنا وزير الخارجية الاميركي بترشيح شخصيتين فلسطينيين لمنصب رئيس الوزراء، فقد قال في مقابلة اذاعية ان الوزيرين هما سلام فياض وزير المالية وعبد الرزاق اليحيى وزير الداخلية، واضاف (انهما قد يبدآن في القيام بالدور الذي اظن ان هناك حاجة ماسة اليه)، وقد رحبت وزارة الخارجية الاسرائيلية بهذا الترشيح وقالت عنهما انهما من (المعتدلين). اعتقد ان الخطوط بدأت تتجمع الان، وقد تكون لدينا صورة غير مكتملة عن الوضع القادم في الاراضي الفلسطينية، فمخابرات الدول العربية بالتعاون مع المخابرات المركزية الاميركية ستقوم بتدريب عناصر الامن الفلسطيني على قمع الجماعات المسلحة والسيطرة على الوضع، وسيبقى ياسر عرفات رمزا تذكاريا للنضال الفلسطيني بعيدا عن السياسة يستقبل كبار الزوار ليحكي لهم تاريخة السابق ويودعهم اثناء مغادرتهم، اما رئيس الوزراء القادم فسيكون هو الحاكم الفعلي للدولة الفلسطينية الجديدة، وسيقع على عاتقه ارضاء واشنطن وتحقيق امنيتها في حفظ امن اسرائيل وقمع الشعب الفلسطيني والتنسيق مع كل الاجهزة الامنية الاسرائيلية لمنع العمليات الاستشهادية. هذا هو تقريبا المخطط الاميركي، ولكن كثيرا ما تجري الرياح بعكس ما يشتهي ربان السفينة، اما اذا كان الاخير احمق حتى وان جرت الرياح كما يريد، فقد يوجه السفينة الى حيث الهلاك. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»