منذ وقت طويل تتعرض المنطقة العربية للتأثيرات الثقافية الغربية الكبيرة، ومنذ عقود يحدث غزو ثقافي غربي، وعلى وجه الخصوص غزو ثقافي اميركي لقد اقتبس وتبنى عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين العرب في بياناتهم الشفوية والمكتوبة قدرا كبيرا من وجوه الثقافة الغربية واسهموا في اشاعتها في صفوف العرب، وكان هذا التبني والاشاعة اما عن وعي او دون وعي، ان عدم وعي المثقف بتبنيه وباشاعته لافكار اجنبية قضية بالغة الاهمية ينبغي ان يعالجها المفكرون والمربون بالتنبيه عليها والتحذير منها والتصدي لها. وكان لذلك التبني وتلك الاشاعة اثر لا يستهان به في عدد كبير من المستمعين والقراء العرب وفي تشكيل فكرهم وسلوكهم، ان هذا الكم الكبير من الفكر الغربي المتبنى والمروج في عالمنا العربي كان ولايزال احد العوامل البالغة الاهمية في اختلال النظام الثقافي العربي واختلال المشهد الثقافي العربي وفي فقدان الثقافة العربية لقدر من توازنها، ان نشر هذا الفكر اضعف نمو الفكر العربي الاصيل وجاء هذا النشر ايضا بدرجات متباينة على حساب ترسيخ قسم من الفكر العربي، وزاحم الفكر الغربي الفكر العربي، وكان الفكر الغربي احد العوامل التي لم تتح النمو والتنمية السلسة للفكر العربي. لقد تبنى اولئكم المثقفون افكارا غربية بينما كان مثقفون غربيون يتشككون في صحتها او في ملاءمتها للظروف التي نشأت تلك الافكار فيها. وكان كثير من المثقفين العرب انتقائيين في تناولهم لمصادر الثقافة الغربية وفي تبنيهم واشاعتهم للافكار الغربية، وعلى الرغم من تعدد المذاهب والمناهج والفلسفات الغربية في شتى مجالات الحياة، فان الاقتباس والتبني اللذين قام بهما كثير من المثقفين العرب اقتصرا على مذاهب فكرية اقل، والانتقائية من طبيعة البشر، اذ لا يمكن للمرء في تناوله لموضوع او في تبنيه لفكرة ان يكون محيطا بكل جوانب الموضوع او مطلعا على كل جوانب الفكر، ولكن البشر يختلفون بعضهم عن بعض في مدى الانتقائية وفي مدى التحمس لقبول شيء او مدى الاستعداد لرفضه او مدى قدرته على اتخاذ موقف الحياد حيال القبول او الرفض. الجانب المثير للانزعاج والباعث على الاسف والاسى في حالتنا انه نشأ في صفوفنا عدد لا يستهان به من الكتاب والمثقفين، وتبنى بتحمس واندفاع ودون روية افكارا غربية ونشروها في الاجواء الثقافية العربية باندفاع ايضا، ودون دراسة او دون الدراسة الكافية لمدى صلاحها ومناسبتها لحاجاتنا الحياتية والثقافية، ودون المراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والتاريخية التي كانت المجتمعات والشعوب العربية تمر بها، ودون الالتفات الى النتائج المترتبة على ترويج تلك الافكار. والادهى من ذلك ان الكتاب الذين تبنوا تلك الافكار الغربية ونشروها في المجتمع العربي اعتبروا تلك الافكار انها متصفة بصفة الحقيقة او الحقيقة المطلقة، وهذه طريقة خاطئة لانه لا يمكن اطلاق الحقيقة على الفكر، لان صحة الفكر او خطأه امر نسبي، وتتوقف صحة الفكر او خطأه على عوامل منها طبعا ظروف الزمان والمكان التي تشتمل على الاحوال التاريخية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولا يمتلك فرد واحد او جماعة واحدة معرفة الحقيقة المطلقة، ولا يصح لاي طرف ان ينسب الى نفسه معرفة الحقيقة المطلقة، وتكثر تعاريف البشر لهذه الحقيقة، وهذه التعاريف ايضا خاطئة لان تعريف امر يتضمن اكتناهه، ولا احد يستطيع ان يكتنه الحقيقة المطلقة، وكان خطأ اولئكم الكتاب اكبر اذ اطلقوا صفة الحقيقة على فكر اجنبي نقلوه الى ثقافة اخرى، ودعوا اهل تلك الثقافة الى ان يقبلوه دون ان يقوم الكتاب قبل ذلك بدراسة جدوى ذلك الفكر وملاءمته. وبتبني الكم الكبير من تلك الافكار الغربية ونقلها الى اللغة العربية واشاعتها في صفوف قطاعات كبيرة من الشعب العربي في وقت كان فيه هذا الشعب مقيدا باغلال الحكم الاستعماري الغربي لم يكن من الممكن، او على الاقل لم يكن من السهل، اقامة الاساس وايجاد المناخ المؤاتي لنمو الثقافة العربية وترعرعها على نحو سلس وطبيعي. ان وقوع الشعوب العربية تحت حكم الدول الغربية الاستعمارية ساعد في اشاعة هدا الكم الكبير، لقد كانت اوساط الحكم الاجنبي ولاتزال تؤيد نقل الفكر الغربي سياسيا وماديا ومعنويا، لان هذا النقل سهل ولايزال يسهل ممارسة الحكم الغربية للشعوب العربية. وفي ظل هذه الظروف لم يكن من اليسير بعث المخزون الفكري والحضاري والثقافي العربي، ومن الجلي ان ذلك البعث كان من شأنه ان يكون اداة من ادوات النهضة العربية وان يكون احد اسس هذه النهضة، ولم يكن من اليسير ايضا اقامة البنية الثقافية العربية على اساس لا يكون فيه ذلك المخزون مهضوم الحقوق ناقص الوجود وضعيفا ام مستبعدا او منبوذا او محتقرا كما نشهد ذلك اليوم.