استضافت الفضائية المصرية مؤخراً المفكر الاسلامي المعروف الدكتور محمد عمارة، وكان موضوع الحلقة يتناول شرح مفهوم، «الامة الوسط» وهو الوصف الذي اختاره القرآن ليعبر به عن مضمون الرسالة السماوية التي اختارها الله لخلقه. وحين يتصدى مفكر بقامة الدكتور محمد عمارة للحديث عن هذا الموضوع، فان رأيه سيحظى باهتمام مكثف لما يتمتع به من حضور قوي لدى شريحة واسعة من الجمهور الذين عرفوه واسع الأفق، غزير العلم، يقف في الموقف المتقدم من حيث احترام الحقيقة وقبولها والدفاع عنها، مما جعله رائداً من رواد الفكر الاسلامي المعاصر، يحدثك فيمتعك بحديثه، ويعرض رأيه بقوة وتدفق تجعلك تؤمن ان لدى الرجل قضية يدافع عنها، مع حرصه الشديد على توثيق كلامه بالدليل تلو الآخر، مما يرفع مستوى التفاعل لديك، ويجعلك شريكا معه في الاحتفاء بالحقيقة التي يؤمن بها، بعد ان اهداك إياها العقل المنصف، ويسرها لك الرأي السديالدكتور من اهم ما عرضه الدكتور محمد عمارة ذلك الاستدلال الذكي الذي قدمه للمشاهدين في سياق حملته الفكرية ضد الغلو والتطرف. لقد اكد المفكر الكبير ان الوسطية في الاسلام هي ترجمان هذا الدين وهي لسانه الناطق بمضمون العقيدة التي جاوز اتباعها المليار، ولا يزالون في ازدياد، رغم الكيد الاسود الذي يضمره لهم اعداؤهم المتربصون بهم. كان الاستدلال الذكي على وجوب الارتباط بين العقل والنقل «وهي النصوص الشرعية الثابتة» مبنيا على تلك البديهية التي تجاهلها الكثيرون، وهي ان الله هو من خلق العقل، واعطاه تلك القدرة الفائقة على التحليل، والبحث، والاستغراق في التأمل. كما ان مصدر النصوص الثابتة هو الخالق تبارك وتعالى، ولذلك فمن المحال ان يصل الانسان الى شيء من المعرفة الصحيحة دون ان يتصالح العقل مع النقل. ان تعطيل العقل عن ممارسة دوره في فهم مضامين الفكر الاسلامي هو اعلان عن العجز عن اغتراف تلك اللآليء التي تمتنع عن الكسالى والفارغين مما يخلق حاجزاً من الجهل الذي يتراكم يوماً بعد يوم عن استيعاب المحتوى التشريعي والقيمي والانساني والاخلاقي والتربوي الذي تضمنه هذا الدين الوسط القادر على الارتقاء بشخصية الانسان المنتمي إليه، ليكون خليقاً باحترام العالم، وقادراً على تحقيق المعادلة التي يراها العالم المتمدن مستحيلة، ولكنها في حس إنسان هذه الامة ميسورة وممكنة. انها معادلة الحفاظ على الاصالة، والهوية مع استيعاب متطلبات العصر في تناغم يعجز ان يفهمه اولئك الذين اغلقوا منافذ عقولهم عن سماع صوت العدل، والقوة. قوة الايمان الذي يدعمه العلم، وقوة المباديء التي يؤسس لها ذلك النهج المتوازن، الذي يمنع من الغلو والتعصب، ويرفض التطرف او الشذوذ، كما انه يؤمن بالحوار، ويؤسس لقيم العدالة لا للمنتسبين إليه فحسب، وانما للبشرية جمعاء. فإذا تساءلنا عن سبب ضعف الدور الذي يمثله هذا الدين الوسط في الحياة المعاصرة، اتانا الجواب سريعاً انه سبب من اثنين،: اما الافراط في الامساك بزمام تلك القيم والاحكام، واما الغلو والتطرف. وبما ان هذه العقيدة لا تتحرك في تلك الدوائر الضيقة، فالمعضلة باقية، والميزان المقلوب سيظل على حاله، حتى تتحرك الاطراف البعيدة باتجاه الوسط، وحينها لن يتغير وجه هذه البقعة من الارض فحسب، وإنما وجه العالم بأسره.