«سوالف عجيبة وفضايح رهيبة ومقالب طريفة. اتصل على هاتف رقم 9000...». «دردشة وتعارف عبر الهاتف، وبدون الكشف عن نفسك أو رقمك . اتصل 9000...». «جرب تقول (أحبك) بمقطع أغنية وشوف التأثير. اطلب الرقم 9000...». «ابدأ يومك كل صباح في الاستماع الى اخبار برجك وحظك. أطلب الرقم 9000...». نماذج من رسائل أمطرت بها هواتفنا المتحركة على مدى الأيام العشرة الماضية إحدى شركات الخدمات الهاتفية ـ اذا جاز ان نسمي ما تقدمه خدمات ـ بمعدل رسالة او اثنتين كلّ ساعة، في موجة جديدة من موجات حملاتها الترويجية التي تتخذ أشكالاً مختلفة، تستخدم خلالها جميع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وبشكل ملح يطاردك في كل مكان، ولا تملك معه خيار عدم التعرض لها وهي تقتحم عليك خصوصيتك عبر هاتفك المتحرك وتنتهك حريتك الشخصية بإلحاح يصل حد إثارة الأعصاب كما تفعل ذلك بدأب بعض شركات المكانس الكهربائية وبطاقات الفنادق والخصومات وغيرها. رب قائل يقول إنه موضوع ليس بالجديد من حيث الطرح، فقد تناولته أقلام كثيرة وأشبعته كتابة ومناقشة أكثرها التصاقاً بالذاكرة وأبلغها أثراً الحملة التي قامت بها جريدة «البيان» قبل عام تقريباً وكان أبرز نتائجها الفتوى التي قضت بتحريم المسابقات التي تجري عبر هذه الخدمة، الأمر الذي بادرت بعده السلطات العليا في إمارة دبي فأمرت بمنعها وتم قطع خدمة رقم (9000) في محيط الامارة، لتقوم تلك الشركات بالالتفاف على القرار وتخصيص أرقام في البحرين تبدأ بالرمز (00973) لمن يرغب في الاتصال من إمارتي دبي والشارقة كما تشير في إعلاناتها. الجديد الذي يحدث هذه المرة هو ان هذه الشركات قد تجاوزت حدود إهداءات الأغاني التي بدأت بها والمسابقات التي أثارت تلك القضية إلى طرق مجالات اخرى لم يتكشف لها منها سوى جانب الربح المادي، وغابت عنها جوانب اخرى ربما لا تدخل في اطار اهتماماتها او حساباتها التي لا تتجاوز المادة رغم أهميتها لكونها تتعلق بأخلاق أبناء هذا البلد وتربية اجياله التي هي أساس البناء .. بناء الانسان الذي طالما تحدث عنه صاحب السمو رئيس الدولة بحكمته المعهودة، وأولاه رعايته الكريمة، وقال عنه إنه هدفه الأسمى وغايته، وإنه يأتي لديه قبل بناء المدن وتعميرها. هذا البناء الذي يفترض ان يقوم على توجيه الشباب الى نواح تنمّي عقولهم وتثري افكارهم وتؤسس شخصياتهم على قواعد متينة من الاهتمامات الجادة التي توجههم إلى الانتاج والعمل في مجتمع تحتم عوامل الديموغرافيا فيه الاستفادة من كل فرد من أفراده. تأتي هذه الشركات بدافع الربح المادي البحت لتناقض توجهات قيادته بإغراء شبابه وشاباته ـ وهم المستهدفون بالدرجة الاولى من حملاتها ـ واغوائهم وتوجيه اهتماماتهم الى الاستماع الى (سوالف عجيبة وفضايح رهيبة ومقالب طريفة) كما تقول رسائلها الاعلانية، او (الدردشة والتعارف عبر الهاتف) بعد ان كفلت لهم عدم الكشف عن انفسهم وارقامهم في اعتراف ضمني بسوء هذا المسلك وعدم أخلاقيته، أو إنشاء علاقات ـ خارج الأطر المتعارف عليها ـ بين الجنسين عبر هذه القنوات بإرسال مقاطع من اغان عاطفية داعين الشباب لان يجربوا معرفة تأثير قول (أحبك) بمقطع أغنية، والتعبير عن مشاعرهم بإرسال أبيات من الشعر لأعز الاحباب، كما تعمل على إغراقهم في الاستسلام للأوهام بدعوتهم لبدء صباحهم بالاستماع الى اخبار ابراجهم وحظوظهم، وتفسير الاحلام عبر رسائل مسجلة يقومون بإرسالها ليعاودوا الاتصال مرة أخرى للاستماع الى تفسير الحلم من ذوي الخبرة كما يقول الإعلان. ولإغراق الناس في وهم الربح السريع دون بذل اي مجهود وتكريس مبدأ التراخي وعدم العمل وتحمل المسئولية تدّعي إحدى الشركات ان كل من يتصل برقمها يربح فوراً بدون سحوبات وانه ليس هناك خاسر بين متصليها، بينما تطلب شركة اخرى من المتصل ان يسجل ويرشح اسمه ليجمع اصواتا ويكسب سيارة بدون سحب ولا حظّ. كل هذه العروض التي تطارد بها الشركات شباب وفتيات المجتمع تتناقض تماماً مع الاهداف العليا التي طالما سعى صاحب السمو رئيس الدولة الى تحقيقها عبر مسيرة بناء جاوزت العقود الثلاثة، وفّر خلالها للشعب مناهل العلم والمعرفة في صورة مدارس وجامعات ومؤسسات ثقافية وعلمية، وأقام مشاريع تتيح للشباب بدء حياتهم بيسر وسهولة كصندوق الزواج ومشاريع الاسكان المختلفة وهيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية. كما خطا الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خطوات كبيرة في دعم الشباب من خلال رعاية سموه للمتفوقين منهم وتقديم فرص مواصلة دراستهم العليا عبر برنامج «إعداد» لخلق جيل من القادة المؤهلين بالعلم والمعرفة القادرين على مواصلة رحلة العطاء وتحقيق التنمية الشاملة. وكانت آخر مبادرات سموه ـ وليست الأخيرة ـ إطلاق مشروعه الرائد لمساعدة الشباب في تأسيس مشاريعهم التجارية وتمويلها من خلال مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب. هذا التوجه الجاد من القيادة العليا تتعارض معه دعوات هذه الشركات للشباب واغراقهم في سلوكيات لم تكن يوماً من بنية هذا المجتمع ولا أخلاقه وعاداته وتقاليده التي تربت عليها اجيال كابدت شظف العيش وعانت قسوة الحياة وواجهت ظروفا معيشية صعبة استطاعت ان تسجل خلالها ملاحم في تحدي قسوة الطبيعة وشح موارد العيش، حتى إذا ما من الله على هذه الأرض وأهلها بالخير الوفير والقيادة الحكيمة جاء من يحمل في يده معاول هدم لهدر طاقات الشباب وتوجيه اهتماماتهم الى توافه الأمور وصغائرها، ناهيك عمّا تستنزفه الاستجابة لهذه الدعوات من أموال تذهب هدراً دون مردود لتصبّ في جيوب أصحاب تلك الشركات، فعبر جولة بين صحف ومجلات يوم واحد طالعني خلالها سيل من الاعلانات مختلفة الاحجام وجدت اسعار هذه الخدمات تبدأ من ثلاثة دراهم وعشرة فلوس وتصل الى خمسة دراهم وثلاثين فلساً للدقيقة الواحدة للأرقام التي تبدأ بالرمز (9000)، وحسب التسعيرة الدولية لمملكة البحرين بالنسبة للذين لفوا على قرار المنع ووفروا الخدمة للراغبين فيها من دبي والشارقة عن طريق دولة مجاورة وبحسبة بسيطة يمكن ان يقوم بها طالب مدرسة ابتدائية، وباحتساب متوسط لسعر الدقيقة هو اربعة دراهم، وباعتبار ان أقصر مكالمة لن تقل عن ربع ساعة بعد عبور عبارات الترحيب والشرح المستفيض والارشادات التي تبدأ بها المكالمة فإن كل اتصال في حدود هذه المدة سيكلف صاحبه ستين درهما، وعلى ذلك قس لتعرف حجم ما يخرج من جيوب المغرر بهم ويدخل في جيوب أصحاب هذه الشركات. اطرف اعلان صادفني ـ بعد ان اصبح هذا الموضوع بين عشية وضحاها من صلب اهتماماتي وفرض نفسه عليّ فرضاً ـ الإعلان التالي: «رّباش .. لا يفوتك ! إسمع بريد سلوم وحط اللي تريده في المسج مالك، بس عن تنسى لازم تكون مشترك في خدمة مرسال .. شنكوحة!». فلا عجب إذن أن تستهوي مثل هذه الخدمات فئة من الناس وتجتذب زبائن من صنف ربّاش وشنكوحة، لكنّ العجب ألا نستمع الى صوت العقل والحكمة وقول شاعرنا العربي: متى يبلغُ البنيانُ يوماً تمامَهُ إذا كنتَ تبنيهِ وغيرُكَ يَهْدِمُ؟!