عندما تهددت صحيفته بالاغلاق وبات قاب قوسين او ادنى من الاعتقال قال لي: قل لصاحبك وصديقك بأنه اذا ما تراخى في الدفاع عني وعن صحيفتي، وتم اعتقالي بالفعل فان الجماهير(!) ستزحف من جنوب المدينة الى شمالها مطالبة باطلاق سراحي، وبالتالي فان ثمن اعتقالي سيكون باهظا على الحكومة! والمتحدث هنا هو ما شاء الله شمس الواعظين، صديقي وزميلي الصحفي والكاتب الايراني المناضل الذي ينتمي الى النخبة من المثقفين الدينيين الذين انا اليوم بصدد الحديث عنهم، وصاحبي وصديقي الاخر المشار اليه هو السيد عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الايراني السابق، والحديث كان يدور اثناء الموجة الاولى للصدام بين منهجين للتعاطي مع موضوع الصحافة والجمهور في بداية الولاية الاولى لعهد الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي. غير ان شمس الواعظين اغلقت له اربع صحف اشرف على ادارتها، واعتقل نحو عامين، ولم تتحرك الجماهير! ولم تحرك ساكنا، ولا اهتز للحكومة جانب، ولم تدفع ثمنا على ما جرى اللهم الا من جيب الناس. مثال اردنا ان نورده من ايران، لكننا نعتقد انه يصدق على كثير من الاقطار والامصار. هذا هو حال النخبة في بلادنا العربية والاسلامية عموما، وهذه هي حال الجماهير معها على امتداد الوطن العربي والاسلامي الكبير ومع الاحزاب ايضا عندما تكون خارج سياق حركة الامة والتاريخ، وعندما تبدأ بالتغريد خارج السرب العام وبلغة وموسيقى ونوتة لا يفهمها احد، اللهم الا من الراسخين في العمل النخبوي والحزبي. الاكثرية المهمشة! ففيما يتداوم الاصلاح الحقيقي والمنطقي داخل جسم المجتمعات ويتبلور منعكسا على مؤسسات صناعة القرار في بلداننا برغبة داخلية من الحكام والمسئولين او غصبا عنهم، فان النخب المثقفة بمن فيها النخب الدينية تبكي غياب الجماهير عن الساحة وتندب حظها في الاصلاح، وتتوهم الخيبات احيانا وعلامات قيام الساعة احيانا اخرى! في ايران كما في فلسطين كما في مصر كما المغرب كما في سوريا وغيرها من الاقطار والامصار، يلحظ المراقب الناظر النبيه كيف ان الاحزاب ماتت وان لم تمت رسميا. كما يلحظ عجز «النخب المثقفة» الطليعية عن قيادة الامة وان لم تعترف بعد ذلك. وما يؤكد على هذا الاستنتاج هو ان حركة الشارع بصعودها وهبوطها، باتت تتبع معايير اخرى مختلفة ومرجعيات اخرى مختلفة، تماما عن معايير ومرجعيات النخب والاحزاب التقليدية المعروفة. ان الباحث اللبيب سرعان ما يكتشف وهو يقرأ حركة التطور الجارية في بلداننا، نشوء مجتمعات واسعة الحجم والانتشار وتنتمي الى كل الاعمار لا سيما الشباب منها، غالبا ما تكون بعيدة عن المشهد العام يمكن تسميتها مجازا بالأكثرية الصامتة أو الأكثرية المهمشة أو الهامشية، تتأثر بهذا المطرب او ذاك اكثر مما تتأثر بأقطاب الحزب الفلاني او المفكر والاديب او السياسي الفلاني. اقول هذا ليس انتقاصا من قيمة هذه المجتمعات ولا تهكما على كل ما هو غير سياسي وفكري، ولكن فقط لتسجيل الحقيقة المرة التي يخاف ويهاب ان ينطق بها المفكرون والمتحزبون النخبويون وخاصة المتدينون منهم، وبالمناسبة فان هذه الجماهير العريضة هي نفسها تمثل الذخيرة الاحتياطية الاهم لمظاهرات الغضب ضد الاجنبي والمحتل والغازي والدفاع عن انجازات الانتفاضة بما فيها العمليات الاستشهادية، وايضا ضد مظاهر الاستبداد والقمع السلطوي. نظرة قاصرة المشكلة كل المشكلة برأيي هي في النظرة القاصرة التي يحملها المثقفون الحزبيون، بمن فيهم الليبرالية التابعة للاجنبي لاسيما المتحزبون منهم ممن ينتظرون فرج الامة ونصرها القادم من وراء البحار! مثال آخر يتعلق بحركة التطور الجارية في ايران منذ سنوات وهناك خمس فضائيات ناطقة بالفارسية موجهة الى الشارع الايراني انطلاقاً من اميركا وغير اميركا، هدفها حض الشباب على التمرد على النظام الحاكم في طهران سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في اطار برامج متعددة ومتنوعة من بينها الموسيقى والطرب، فماذا كان رد فعل الشارع الايراني حتى الآن؟ التهام الموسيقى والطرب، والكفر بكل ما عدا ذلك والتمرد على ارباب تلك الفضائيات الى الدرجة التي وصلت بالبعض من ابناء طهران الى الاتصال بهذه الفضائيات للعنها وسبها، والطلب منها عدم التجارة بابناء الشعب حباً بالمصالح الفئوية أو الشخصية وسعياً وراء تحقيق المصالح الاجنبية كما يرد باستمرار في اتصالات المستمعين. لماذا برأيكم؟ لا لشيء، فقط لان الشعب يريد ان يعيش بهدوء واستقرار وان يحصل على لقمة العيش بكرامة، ولايريد ان يتحول الى مادة للصراع على السلطة أو البقاء في السلطة ومن اجلها فلتقطع رقاب الناس وتباع وتشترى في سوق النخاسة الحزبية! نعم ان الاكثرية الحاسمة من الشعب تريد الاصلاحات ومن بينها الاصلاحات السياسية والدينية، وتغيير نظرة الحاكم للشباب والجمهور وحقه في المشاركة في صناعة القرار. ولكن ليس بقيمة تحول الناس الى مادة للصراع وبين المتحزبين أو بين السلطة والمعارضة، أو مادة لارضاء الاجنبي او حتى لمناكفته فقط من اجل كسب امتيازات ما! ان هذه الاكثرية تريد ان تكون حاضرة دوماً لكن بصدق، في مشاريع التطوير والتغيير والاصلاح والبناء واعادة تجديد العمارة والفن والسياسة والفكر، بما يتناسب وحياتها العامة وكسب الرزق اليومي وليس للنزول الى الشارع كلما تطلبت المنافع والمصالح الحزبية والنخبوية. نعم هي مستعدة للنزول الى الشارع اذا كان الامر يتعلق بمصير الامة مجتمعة أو بمصير دينها أو مستقبلها، ان تنزل من اجل الاستشهاديين في فلسطين نعم، ولكن ان تنزل من اجل عمليات عسكرية أو عنفية ضد هذه السلطة أو تلك، او لاسقاط هذا الحاكم أو ذاك فلا وألف لا، خاصة اذا كانت هذه العمليات مدعومة من الاجنبي ومن لا يصدق عليه ان يستعير من التاريخ القديم والجديد، ومن لا يدرك او يستوعب عبر التاريخ يستطيع ان يرى من جديد في اول تجربة قادمة وعندها عليه ان لا يستغرب اذا ما فاجأته الجماهير للنزول الى الشارع فعلا ولكن ليس دفاعا عنه وانما دفاعا عن الحاكم حتى وان كان هذا الحاكم طاغية من الدرجة الاولى. بكلمة واحدة نقول: تصالحوا مع الجماهير تصحوا، واصدقوها القول تصدقكم الفعل. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني