في شتاء 1998، كانت قضية تورط الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في علاقة مشبوهة مع متدربة البيت الأبيض مونيكا لونيسكي قد بلغت أوجها، وقتئذ، إفتعل كلينتون تصعيد أزمة مع النظام العراقي، إختتمها بتوجيه ضربة عسكرية لبغداد كان من الصعب تبرير عدوانيتها بأي منطق سياسي أو قانوني، لقد أراد الرئيس الأمريكي التغطية على مونيكا جيت التي أوحلت نظامه في الداخل، بلفت الأنظار إلى حدث كبير في الخارج، وهو بذلك أعطى مثلا على صحة النظرية القائلة بأن السياسة الخارجية الاميركية إمتداد للسياسة الداخلية. كلينتون وأركان إدارته لم يعبأوا بإستخدام الآلة العسكرية الأميركية الجبارة، وما يترتب على ذلك من تداعيات في المحيط الدولي، أقلها الغضب والسخط العربي وغير العربي وتهديد صورة واشنطن ومصالحها في الخارج عموما، لأجل تحقيق هدف يخصهم كنخبة حكم اعتور سلوكها كثير من الفساد الأخلاقي والسياسي. ومن دواعي الأسى أن الاستقواء الأمريكي على الصعيد الدولي، سمح لهذه النخبة بممارسة عدوانها المذكور مع الافلات من عواقبه وتبعاته. هذه حقيقة تبدو واضحة للكافة. لكن الذي يحتاج إلى مزيد من الإضاءة، هو وجود أعطاب ومواضع خلل داخل النظام الاميركي ذاته، سمحت لكلينتون بالنجاة والإستمرار في موقعه الخطير إلى آخر يوم من فترته الرئاسية . ثم إن هذه الأعطاب تبدو عميقة الغور إلى الدرجة التي تمكن المقام الرئاسي من توظيف المؤسسة العسكرية ـ الممولة من دافعي الضرائب الاميركيين ـ في إرتكاب جرائم دولية، لا لشئ إلا إشغال الرأي العام عن الفساد المستشرى في رحاب البيت الأبيض وأنصاره. على أن مونيكا جيت ومن قبلها ووترجيت وإيران جيت وسلسلة الفضائح المشابهة، تظهر الآن كأمثلة شاحبة قياسا بنموذج الفساد السياسي الاقتصادي الأخلاقي كبير الحجم ، شديد التعقيد، الذي يتعلق بالنظام الاميركي كله تقريبا في عهد بوش الابن. نحن الآن بصدد رئيس وصل للحكم بشق الأنفس وبقرار قضائي، خبرته محدوده بخفايا وظواهر العلاقات الدولية، ومن حوله مجموعة قيادية متهمة في ذمتها المالية. وإنهيارات لشركات كبرى نتيجة فساد مالي وإداري يزكم الأنوف. وعمليات تزوير محاسبية ذهبت بأحلام صغار المستثمرين ومدخراتهم لصالح حيتان كبيرة. ومؤسسة إستخبارية ثبت عجزها عن أداء واجباتها على رغم الموارد الضخمة الموقوفة عليها. وهذا كله غيض من فيض. نحن عموما إزاء نظام عام إختلطت داخله مصالح النخبة السياسية بتلك الاقتصادية والمالية والعسكرية، حتى ليحار المعنيون في التعرف على الآليات التي يتحرك بها هذا النظام ويعمل، وكيف ومن أين يمكن العثور على نقطة البداية لمعالجة أمراضه المستعصية. ومؤخرا راح اميركيون كثيرون يتحدثون عن أزمة ثقة جمعية أميركية تجاه معظم مؤسسات الدولة من البيت الأبيض إلى بورصة وول ستريت، وقد لخص أحد المراسلين علاقة الاميركيين بهذه الطبقة ونظامها الراهن بأنها علاقة غير سوية، عنوانها القلق والشعور بعدم الإطمئنان وفقدان الإتجاه والإكتئاب. ومع أن بوش وادارته يسعون حثيثا إلى تعليق وإحالة هذا الوضع على أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها الصادمة، إلا أن سواد الرأي العام الاميركي بدأ يدرك أبعاد هذه الخدعة ويقتنع بأن الأزمة أسبق زمنيا وأعمق موضوعيا من تلك الأحداث . لكن هذا الإدراك لن يمنع النخبة الاميركية من الاستعانة على أزمتها بالبيئة الخارجية. هذا مما حدث أيام كلينتون، وهذا ما بدأت إرهاصاته في الوقت الحالي. إذ لا يسع عاقلاً أن يعزل قضية التربص بالنظام العراقي عن معضلة النظام الاميركي. بناء على هذه الصلة القسرية التي تفتعلها واشنطن بين أزماتها الداخلية وسلوكها الخارجي، فإن بقية الوحدات الدولية تبدو معنية بتلك الأزمات وتداعياتها فالأذى الذي تسببه تفاعلات النظام الاميركي ومساوئه لا يقتصر على الشعب الاميركي، وإنما يتعولم من جراء وزن الولايات المتحدة ومكانتها على الصعيد الدولي. وهو ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن شفاء هذا النظام من علله يمثل مصلحة عالمية. وإذا كان الشئ بالشئ يذكر، فإنه يحق لنا القول بأن أركان الإدارة الاميركية يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم . ومن ذلك مثلا أنهم يصدعون رؤوس الخلق بحديثهم عن ضرورة إصلاح النظام الفلسطيني فيما نظامهم في واشنطن بحاجة أكثر الحاحا للإصلاح وإعادة التأهيل. نقول أكثر الحاحا بكثير لأن خطايا أو أخطاء ومأخذ النظام الفلسطيني ـ وأي نظام آخر متهم بإنعدام الصلاحية ـ تعود بالضرر في كل الأحوال على الفلسطينيين. في حين أن أزمات النظام الاميركي ومفاسده تلحق أفدح الأضرار والخسائر بأطراف وعوالم مترامية الأبعاد. بصيغة أخرى، تظل أخطر النظم السيئة السمعة والسلوك «جدلا» محلية أو في أسوأ الفروض إقليمية. لكن أخطار عيوب النظام الاميركي تتجاوز الاميركيين إلى الآفاق الدولية.ومؤخرا، باتت هذه الآفاق تنوء بأعباء سوء مسيرة هذا النظام وإنتهاكاته الجسيمة على صعيد قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعوب والقانون الدولي ومبدأ السيادة الوطنية ودور التنظيم الدولي وقضية حل النزاعات بالوسائل السلمية وخفض سباق التسلح. النظام الاميركي عكس أزمته على كل القواعد الحاكمة لعلاقات الأمم المتحدة ويكاد يرتد بالإنسانية إلى زمن شريعة الغاب.وتقديرنا أنه لا أمل في وقف هذه الإنتكاسة المروعة إلا بإصلاح هذا النظام، والمؤلم أن غاية كهذه تبدو بعيدة المنال في هذه المرحلة. ـ كاتب فلسطيني