لقد اجمعت كل الدراسات والندوات التي تمت خلال الاشهر الاخيرة وبعد احداث 11 سبتمبر 2001، ان الحوار بين الحضارات يمثل ضرورة قصوى من ضروريات الحياة، في ظل السلام العادل والاحترام المتبادل والتطبيق النزيه لقواعد القانون الدولي، وهذا الحوار يقتضي معرفة الآخر في خصوصيات حضارته وتطلعاته والاعتراف بحقه في الاختلاف والمغايرة. كما ان مسار العولمة يقتضي اعتبار التنوع الثقافي والتعدد الحضاري دافعا للعولمة لا معيقا لها، بحيث يتم الانتفاع بما لدى الامم والشعوب جميعا من خصوصيات في عالم جعلته الثورة الاتصالية قرية كبرى. ذلك ان تعزيز الحوار بين الحضارات مسئولية انسانية مشتركة، يتحملها بصورة خاصة صانعو القرار بمختلف درجات المسئولية والنخب الفكرية والثقافية والقيادات الاعلامية في العالم، من اجل بناء السلام في الحاضر والمستقبل على اسس قوية تصمد امام الازمات الطارئة الناتجة عن الاحداث غير المتوقعة التي من شأنها ان تهز الاستقرار الدولي وتروع الضمير الانساني. وينادي الباحثون على مختلف انتماءاتهم الحكومات العربية والمؤسسات الثقافية المختلفة الى التفاعل مع النقلة النوعية التي هيأتها ثورة الاتصالات والمعلومات واستثمارها في تقديم صورة تتغلب على الحملات المغرضة التي توجه الى الثقافة العربية والحضارة الاسلامية، خاصة ان هذه النقلة النوعية تتيح فرصا عديدة يمكن الاستفادة منها بتقديم صورة حقيقية وموضوعية عن الجهود المبذولة في التحديث والتنوير واستكمال المشروع النهوضي العربي. ثم ان هناك حاجة ماسة الى حوار حقيقي عميق بين الجمعيات العربية ومثيلاتها في مختلف مناطق العالم، وتطوير دورها في المحافل الاقليمية والعالمية للمزيد من تقريب وجهات النظر والتعرف على المقاربات الاخرى، والتمهيد لمشاريع الشراكة الاقليمية. كما ان الحاجة تدعو الجمعيات العربية الى العمل على تحسين صورة العرب في وسائل الاعلام ولدى الرأي العام الخارجي. ومما يدعو الى التفاؤل ذلك التطور الذي يسجله في السنوات الأخيرة قطاع الجمعيات الاهلية العربية والمتمثل في تأسيس عدد رفيع من الجمعيات، وظهور انماط جديدة من الهيئات المتخصصة، والاهتمام بتدريب المسيرين المتطوعين لهذه المنظمات، والعناية بالبحوث والدراسات التي ترتبط بهذا الميدان. ان في هذه القائمة نماذج ملموسة للنشاط الذي يمكن للجمعيات العربية ممارسته في مختلف التخصصات وما هذه المعلومات إلا مؤشرات عامة لعلاقة الجمعيات الاهلية بمجتمع المعلومات اضافة الى دورها المتميز فيما يتصل بعلاقاتها مع مختلف الشرائح الاجتماعية من الطفولة الى العجز وذلك فضلا عن استعمالات شبكة انترنت لتكثيف صلات التعاون والتكامل بين الجمعيات المجاورة والمتجانسة. والجمعيات الاهلية العربية مدعوة على المستوى الوطني الى توسيع شبكة العلاقات على مختلف اشكالها مع الاوساط الحكومية والمصالح الادارية والمجموعات المحلية، من اجل ترسيخ مفاهيم جديدة حول التسامح وحقوق الانسان، والتعاون مع هذه المؤسسات في مجابهة الاشكاليات الاجتماعية والثقافية وخاصة منها العراقيل التي تعوق اندماج المرأة في المجتمع ومشاركتها في العمل الانمائي، وكذلك ازمة الهوية التي يعاني منها جل البلدان العربية. وبصورة عامة فإن النسيج الجمعياتي العربي في حاجة الى عمل متماسك يربط بين النشاط الوطني والنشاط العربي، وينشط الجمعيات القائمة، ويكثف النماذج الجديدة من جمعيات الاتصال والتخصصات ذات العلاقة. وعلى كل فإن كل الجمعيات مهما كان مجال نشاطها واهتمامها معنية بمجتمع المعلومات وما يفرزه من فرص جديدة وتحديات. ولنا في تجارب البلدان الغربية والآسيوية مناهج عمل واضحة ومجالات فسيحة للمبادرة. فإن تبينت الرؤى وتوضحت الاهداف وضبطت المشاريع بدقة، فإننا نكون قد تجاوزنا كل الصعوبات وخطونا خطوات حثيثة للنهوض بالقطاع الثالث وتأهيله للمشاركة في بناء مجتمع الاعلام والمعلومات والاتصال، فعلى كل ذلك، يتوقف المستقبل العربي.