حين يلقي الانسان نظرة عامة على التطور المعرفي الذي وصل اليه العالم الغربي، ويرى ان التخصص الدقيق، بل والفائق الدقة هو السائد في المنهج التعليمي في تلك الدول يعتقد للوهلة الاولى، ان جمود التخصص سوف يقطع صلة الانسان ببقية العلوم والمعارف، وسوف يجعل منه كائنا شبيها بالروبوت من حيث حفظه لعشرات النظريات العلمية، وعكوفه على مختبره او معمله يقوم بعمليات فائقة الدقة في مجاله العلمي، نائيا بنفسه عن اي تفاعل مع ايقاع الحياة الصاخب الذي يلف عالمه الخارجي، ويملأ افق تلك البيئة بضجيج يعلو على ضجيج المصانع. مما جعل من أحد مفكري الغرب وهو ه. ماركيز لا يتردد في وصف مثل هذا الانسان بأنه احادي البعد!! غير ان الصورة الكاملة تحمل اجزاء اخرى تدل على حيوية تلك المجتمعات، وتطورها الذاتي في شتى المعارف الحياتية على النحو الذي يبعد عنها شبح التخلف في اي مجال من مجالات المعرفة، ويمنحها القدرة على استدراك جوانب النقص والقصور في مناهجها المطبقة، وطرق التعلم لديها. فلقد صاحب الانطلاقة العلمية الواسعة انطلاقة اخرى في جانب المعارف الانسانية، والعلوم الاجتماعية، والنظريات الاقتصادية والسياسية التي بلغت شأوا بعيداً في رسم ملامح حركة المجتمع، وفي تحديد الاطر والمسارات التي تنظم حركة العمل السياسي وفقاً لمباديء الحرية التي منحت للافراد، الى جانب توفر الشفافية، وانسياب المعلومات من اعلى الهرم السياسي الى القاعدة الشعبية الواسعة. على نحو منع تكون الجليد بين الافراد ونوافذ الفكر الانساني. وألقى بالكرة في يد الشعوب، التي استلمت بدورها المبادرة في بناء عالم يحترم الانسان، ويفتح امامه الابواب ليكون فرداً منتجاً قادراً على خدمة نفسه ومجتمعه. وبالمقابل لو اردنا ان نسلط الاضواء على واقعنا العربي، واردنا ان نقرأ سجل الانجاز العلمي فان النتائج لن تكون في صالحنا. فهناك فجوة معرفية بين العرض والطلب على مقاعد التعليم العالي في البلدان العربية بلغت 600 ألف طالب من خريجي الثانوية العامة الذين لا يجدون لهم مقاعد في جامعات بلادهم ناهيك عن الركود في مجال البحث العلمي بعد ان شحت الموارد المخصصة له، واحكم الحصار على الاستاذ الجامعي، والباحث النشط، وتم انهاكهما في تكاليف وظيفية نمطية تكفي لتشغل كاهل اصحابها، وترمي بأحلامهم في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا شجر!! اما على صعيد العلوم الانسانية الذي كان ينبغي ان يمثل امتداداً طبيعياً لحركة المجتمع نحو التطور والتجديد، فقد اصابه من عوامل التعرية والتجفيف ما جعل منه شيئاً كميا تختفي منه روح الابداع، ولا يتجاوز ـ في مجمله ـ مستوى التعامل مع النقل الحرفي من بعض النصوص القديمة التي يقتضي التعامل معها ثم تقديمها للجمهور قدراً من المعالجة العصرية لتكون سهلة الهضم، ومن اجل ان تمتلك القابلية على التأثير في نفسية المتلقي. كما ان التعامل مع النظريات الغربية في مجال العلوم الانسانية من خلال الترجمة والنقل لم يسلم بدوره من الاخطاء التي تزامنت معه. اذ ان النقل الحرفي في جانب العلوم الانسانية دون تفنيد تلك النظريات واخضاعها لمعاييرنا الخاصة، ورؤانا التي ننطلق منها في قبول الافكار او في رفضها لم يتجلى في تلك الدراسات التي اكتفت بالنقل والترجمة، وعجزت عن اضافة البعد النقدي، مما فرّغ الساحة من الجهود النوعية القادرة على انارة العقل المسلم، وإثرائه بالمعرفة الحية التي تعينه على قراءة الواقع المعاصر قراءة نقدية موضوعية، وتكسبه المناعة الذاتية، والثقة بالموارد المعرفية التي آلت اليه من ذلك الارث العريق. كما انها تمنحه قدرة عالية في التعامل مع الثقافة الغربية دون الوقوع تحت اسر الخوف او الانبهار وكلاهما عقدتان ساهمتا في تخلف الشخصية المسلمة، وفي ابعادها عن الدور الريادي الذي كانت مرشحة له.