ليس بعيداً عن الصواب القول إن عبدالكلام الهندي حقّق للعلماء انتصاراً سياسياً استثنائياً بتسنّمه السلطة في بلاده. عصيٌ على الذاكرة الاستشهاد بعالم نابغ ترأس نظاماً حاكماً. على نقيض ما اشتهى أفلاطون في جمهوريته الفاضلة، لم يتول العلماء زمام قيادة البلاد وإدارة شئون العباد. حتى نكون أكثر دقة، فلنقل النابغين في العلوم التجريبية، إذ يحقّ للبعض أن يُحاججنا بفقهاء العلوم النظرية. لكن حزب بهارتيا جناتا لا يسترشد بتعاليم أفلاطون وفلسفته، كما أن الهند ليست «الجمهورية الفاضلة» المعاصرة. من الخطأ كذلك قراءة منح العالم المُسلم الرئاسة الهندية باعتباره إيماءة لتسامح جناتا. المدخل السليم لاستيعاب هذا الحدث الاستثنائي يكون من باب الهندوسية نفسها التي يتشرّب بها حزب جاناتا. صحيح أن أفلاطون لم يكن يفرّق بين الفلاسفة والعلماء ووضعهم على رأس هرم جمهوريته ومنحهم حقّ القيادة والسيادة، كذلك تضع الهندوسية الرهبان ـ وهم فلاسفتها ـ في مقدمة التصنيف الاجتماعي، لكن هذا التلاقي لا يستمد أصوله من تجربة مشتركة. أفلاطون كان صاحب منهج فكري، بينما التصنيفات الهندوسية ترتكز على أرضية اقتصادية، جناتا عمد إلى تعزيز برنامجه النووي عبر تكريمه عبدالكلام الذي يعتبر عرّاب هذا البرنامج. غير أن عبدالكلام الهندي نجح في إحداث انقلاب سياسي لصالح جمهورية أفلاطون. في جمهوريات الواقع السياسي حقّق الشعراء انتصارات عديدة بتوليهم زمام السلطة رغم أن الفيلسوف الإغريقي قلّل من دورهم وحطّ من قدرهم وقدراتهم. بمراجعة التاريخ والحاضر يمكن للمرء أن يُعدّد شعراء في مواقع القيادة والرئاسة. ربما كانت غزارة لغتهم أو اتساع خيالهم عنصراً مساعداً في صعودهم الهرم السياسي. لكن من الصعب القول إن الشعراء أفلحوا في إلهام شعوبهم سياسياً، كما فعلوا في القصيد، أو حققوا أحلام تلك الشعوب. على الصعيد العربي يُمكن رصد قائمة مطوّلة بأسماء الحكام والوزراء الشعراء من طراز سيف الدولة الحمداني، المأمون، عبدالرحمن الداخل، عبدالله بن الصغير، مروان بن الحكم، يزيد بن معاوية من الحكام ومن الوزراء ابن زيدون، ثمة قائمة مماثلة من الوزراء المعاصرين مثل عبدالسلام العجيلي في سوريا، محمد أحمد محجوب في السودان، محمود حيدر في الأردن، ومن أبرز الدبلوماسيين الشعراء نزار قباني، عمر أبو ريشة وغازي القصيبي. وبما أن الشعر هو ديوان العرب، فقد أبى بعض الحكام أن يكونوا خارجه، فطالعنا آثاراً شعرية لبعض القادة غير الشعراء، لكنه ما من قائد مهيب حاول التجرّؤ على دخول مختبر علمي. لكنّا لا نجد في رصيدنا العربي علماء تولّوا زمام السلطة السياسية من طراز عبدالكلام الهندي. أحياناً تستوزر بعض الأنظمة أكاديميين لغايات متباينة ليس من بينها إدراك أهمية العلم أو العالم أو تكريمه. أنظمتنا لها الجرأة والمرونة على تعريب المضامين السياسية وفق رؤاها التي غالباً ما تكون قصيرة المدى جداً. فعندما يتم تشكيل حكومة تكنوقراط، يكفي تعيين طبيب وزيراً للصحة، وضابط للداخلية ورجل أعمال في التجارة. وحين يواجه النظام معارضة داخلية شرسة أو تهديداً خارجياً يكفي ارتداء الوزراء الزي العسكري لترجمة مفهوم حكومة حرب، مع أنه ما من وزير يعرف من فنون القتال إلا «طقّ الحنك» وبعض هؤلاء عاجزون في هذا المجال لا يسمع لهم صوت. ليس العرب وحدهم الذين تمردوا على أفلاطون بتغليب الشعراء على العلماء، الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سينغور كان أبرز شاعر حاكم على صعيد القارة الأفريقية وفي إطار المنظومة الفرانكفونية، الرئيس التشيكي الحالي فاكلاف هافل يعتبر أحد أبرز الرؤساء الشعراء المعاصرين، وكان صعد إلى سدة الرئاسة في براغ قبل انشطار اتحاد تشيكوسلوفاكيا باعتباره أحد البيوت المزدوجة في إطار المنظومة الاشتراكية. عند بدء تشظّي الاتحاد السوفييتي برز زيفياد جمساخورديا في جورجيا أول رئيس منتخب في تلك الجمهوريات، وكانت إحدى أهم مؤهلاته إنه شاعر وأثرى ديوان الشعر الجورجي بترجمات من الغرب، وابن أهم شاعر أنجبته جورجيا في القرن العشرين. لكن الجورجيين انقلبوا عليه فأصبح أول رؤساء الجمهوريات المستقلة المخلوعين، الثورة الجورجية لم تبلغ مرحلة الانجاز لأفلاطون بتنصيب عالم. وحده عبدالكلام الهندي صاحب هذا الإنجاز.